الثلاثاء , أغسطس 11 2026

ماذا لو عادت الدولة الأموية اليوم؟

حين تُذكر الدولة الأموية في صالونات التاريخ، يتبادر إلى الذهن صورة كيان امتد من حدود الصين شرقاً إلى جبال البرانس غرباً. كانت أسرع اتساع جغرافي في التاريخ الإسلامي، وقدمت نموذجاً فريداً لمركزية الحكم والتنظيم الإداري. لكن التساؤل الفكري الأكثر إثارة ليس عمّا فعلته في القرن السابع الميلادي، بل: ماذا لو بعثت هذه الإمبراطورية مجدداً في خريطة القرن الحادي والعشرين؟
1. زلزال الجيو-سياسة: خريطة جديدة للعالم
لو افترضنا عودة الدولة الأموية بحدودها التاريخية في أوجهها، فإننا نتحدث عن كيان يضم أكثر من 30 دولة حديثة اليوم؛ من إسبانيا والبرتغال، مروراً بشمال إفريقيا بالكامل، والشرق الأوسط، وصولاً إلى أجزاء من الهند وآسيا الوسطى.

مركز الثقل العالمي: ستصبح دمشق مجدداً عاصمة لإمبراطورية تجلس على أهم الممرات المائية في العالم (مضيق جبل طارق، قناة السويس، باب المندب، ومضيق هرمز).

القوة الاقتصادية: ستسود هذه الدولة سوق الطاقة العالمي دون منافس، إذ تجمع بين نفط الخليج وغاز الجزائر وثروات أوراسيا، ناهيك عن السيطرة على خطوط التجارة بين الشرق والغرب.

2. تحدي الهوية والمواطنة: العرق والتنوع
عُرف الأمويون تاريخياً باعتزازهم الشديد بالهوية العربية وبنائهم لدولة تدار بعصبية عربية واضحة في بادي الأمر، قبل أن تبدأ عملية تعريب الدواوين وتطوير الإدارة.

إذا عادت الدولة الأموية اليوم بنفس نهجها السياسي، فستواجه إشكالية رئيسية:
كيف ستدير مجتمعاً هائلاً يضم مئات الملايين من غير العرب (من الأمازيغ، والفرس، والترك، والإسبان، والأكراد، والقوميات الآسيوية)؟

النموذج الأموي القديم كان يقدم الاستقرار عبر المركزية الصارمة والتعريب الإداري. لكن في عصر الدولة الوطنية وحقوق المواطنة الحديثة، ستكون أولى معارك هذه الدولة هي الانتقال من “العصبية” إلى “المواطنة الجامعة”، وإلا ستواجه أزمات تفكك داخلية أشبه بتلك التي أسقطتها عام 750 م.

3. الاقتصاد والإدارة: بين “الدينار الأموي” و”الدولار”
كان عبد الملك بن مروان أول من سكّ الدينار الأموي المستقل، لينهي التبعية للنقد البيزنطي والساساني.

لو طبقت الدولة الأموية نفس الجرأة الاقتصادية اليوم:

عملة عالمية جديدة: ستنشئ نقدها الخاص المعتمد على الغطاء السلعي أو الطاقة، مما يهدد هيمنة الدولار الأمريكي بشكل مباشر.

بيروقراطية ممتدة: كان الأمويون أرباب تنظيم؛ طوروا “البريد” (شبكة الاتصالات) و”الدواوين”. اليوم، ستتحول هذه الأنظمة إلى شبكات لوجستية وذكاء إصطناعي مركزي يدار من دمشق للربط بين طنجة وسمرقند.

4. الواقعية التاريخية: هل يمكن لهذا الكيان أن يصمد؟
كخبير في التاريخ، أستطيع القول إن التجربة الأموية كانت وليدة عصرها؛ عصر الإمبراطوريات الكبرى والمجتمعات المركبة التي تسودها القوة العسكرية والشرعية السلالية.

إذا عادت اليوم، فستصطدم بثلاث معضلات كبرى:

الصراع مع القوى العظمى: لن تسمح الولايات المتحدة، أو الصين، أو الاتحاد الأوروبي بنشوء “عملاق أموي” يسيطر على نصف تجارة وثروات العالم دون مواجهة شاملة.

إدارة التباين الثقافي: الفجوة الثقافية والاقتصادية بين مدريد ودمشق وإسلام آباد اليوم أعمق بكثير مما كانت عليه في القرن الثامن.

شرعية الحكم: العودة إلى نظام الخلافة الوراثية الأموية سينصدم بمفاهيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة التي أصبحت مطلباً أساسياً للشعوب.

إن التفكير في عودة الدولة الأموية اليوم ليس مجرد استدعاء للماضي، بل هو تمرين فكري يوضح لنا كيف أن الجغرافيا التاريخية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحمل دائماً مقومات “القوة الفائقة”، وأن ما يحول دون فعاليتها اليوم ليس نقص الموارد، بل الشتات السياسي وغياب الرؤية الموحدة.