دالاس، 22 نوفمبر 1963، الساعة 12:30 ظهراً.
الوقت، في ذلك اليوم الخريفي المشممس، كان يتدفق ببطء شديد بالنسبة لآلاف القلوب المنتظرة. سيارة الليموزين الرئاسية المكشوفة تتهادى عبر “ديلي بلازا”. كينيدي بابتسامته الساحرة، جاكلين بقبعتها الوردية، ويلوحان للحشود الصاخبة.
ثم، تحدث المفارقة التاريخية العظمى.
فشل القناص. ربما اهتزت يده، ربما حجبته شجرة، ربما كان هنالك خلل في الرصاصة ذاتها. دوى الصوت، لكنه لم يصب هدفه القاتل. بدلاً من ذلك، سادت لحظة من الرعب الجليدي تلاها اندفاع سريع للأمن. أُطلق سراح سيارة الليموزين بقوة، واختفت بعيداً، تاركة وراءها صمت الذهول… والتاريخ كما نعرفه، وقد تشقق إلى الأبد.
في هذا المقال، نجرؤ على استكشاف المسار البديل لأمريكا والعالم في عصر لم ينتهِ فيه “كاميلوت” برصاصة غادرة.
أولاً: فيتنام – حافة الهاوية التي تراجعنا عنها
كانت فيتنام هي الخطيئة الكبرى التي طاردت إدارة ليندون جونسون. لو عاش كينيدي، يرى العديد من المؤرخين والوثائق المفرج عنها حديثاً أنه كان يميل بوضوح نحو سحب “المستشارين العسكريين” بعد انتخابات 1964.
في “التاريخ البديل”، لم يوقع كينيدي على قرار خليج تونكين. بدلاً من ذلك، قاد مفاوضات سرية مضنية، معتمداً على نفوذ شقيقه روبرت وعلاقاته المباشرة بكاسترو والسوفيت، لإيجاد مخرج يحفظ وجه أمريكا دون التورط في حرب برية شاملة.
النتيجة: لم يُرسل نصف مليون جندي أمريكي، ولم يُقتل 58 ألفاً منهم. سقطت سايغون ربما في وقت سابق، لكن دون الهزيمة النفسية الساحقة التي شلت أمريكا لعقود.
ثانياً: كوبا والاتحاد السوفيتي – الانفراج المبكر
لقد هزت أزمة الصواريخ الكوبية كينيدي في الأعماق. لقد رأى حافة الهاوية النووية. في الخط الزمني الجديد، أصبح كينيدي مُهندس “الانفراج” المبكر. بدلاً من الحصار المستمر وتصعيد الحرب الباردة، استغل فترته الرئاسية الثانية (التي فاز بها باكتساح في 1964) لفتح قنوات دبلوماسية مع فيدل كاسترو وتوقيع معاهدات حظر تجارب نووية شاملة مع خروتشوف.
تخيل عالماً حيث التقى كينيدي وخروتشوف في قمم سنوية لمناقشة نزع السلاح، بدلاً من التهديد المتبادل بالدمار الشامل. ربما كان جدار برلين قد سقط قبل عقود من تاريخه الأصلي.
ثالثاً: الحقوق المدنية – انتصار السحر السياسي
كان كينيدي متردداً في البداية بشأن الحقوق المدنية، خوفاً من خسارة الجنوب الديمقراطي. لكن اغتياله هو ما جعل مارتن لوثر كينغ بطلاً تراجيدياً وجعل جونسون يستخدم “إرث كينيدي” لتمرير التشريعات العظمى.
لو عاش كينيدي، لكان عليه أن يخوض هذه المعركة بنفسه. ربما كانت وتيرة التشريعات أبطأ، وربما واجه كينيدي، بسحره الشخصي وليس بقبضة جونسون الفولاذية في الكونغرس، صعوبة أكبر. ومع ذلك، فإن هيبته الرئاسية كانت ستضمن الانتصار في النهاية. لكن هل كان “القانون” سيبدو بنفس القوة؟ وهل كان سيمنع صعود حركات القوة السوداء الأكثر راديكالية؟ إنها معضلة تاريخية معقدة.
رابعاً: سباق الفضاء – من الهبوط إلى التعاون
لقد وعد كينيدي بوضع إنسان على القمر قبل نهاية العقد. في الخط الزمني البديل، وفى بوعده. لكن الإنجاز لم يكن انتصاراً أمريكياً خالصاً. في ظل الانفراج الذي قاده، ربما أصبحت مهمة “أبولو-سويوز” المشتركة (التي حدثت في الواقع في عام 1975) حدثاً بارزاً في عام 1968، حيث صافح رائد فضاء أمريكي رائد فضاء سوفيتي وهما يقفان معاً على سطح القمر، بدلاً من سباق الأعلام والسيادة.
خامساً: كاميلوت كحزب سياسي
لو عاش كينيدي، لأصبح بطلاً قومياً حياً، وليس شهيداً أسطورياً. لقد كانت عائلة كينيدي ستحكم أمريكا لعقود. بعد فترتيه، كان الطريق ممهداً لروبرت كينيدي ليتولى الرئاسة في 1968، ثم تيد كينيدي بعدها. كانت “كاميلوت” لتصبح ديناستيا سياسية، تسيطر على الحزب الديمقراطي والسياسة الأمريكية لجيل كامل.
ولكن، هل كان السحر ليدوم؟ ربما كشف الزمن عن فضائح أخلاقية أو أزمات اقتصادية (مثل أزمة النفط في السبعينيات) كانت ستلطخ صورته المثالية. في الواقع، قد يكون الاغتيال هو ما منحه “الخلود” السياسي الذي لم يكن ليحصل عليه كقائد حي يرتكب الأخطاء.
الخاتمة: شبح دالاس
في النهاية، يبقى السؤال: “ماذا لو لم يُغتال جون كينيدي؟” أحد أكثر الأسئلة التاريخية إثارة للفضول. هل كنا سنعيش في عالم أكثر سلاماً وتعاوناً، أم أن إخفاقات التاريخ كانت ستجده بطرق أخرى؟ التاريخ لا يكتبه فقط “العظماء” بل والصدف العمياء أيضاً. رصاصة دالاس، سواء أصابت أم أخطأت، كانت لتغير كل شيء. في عالمنا، قتلت الأمل؛ في العالم البديل، ربما كانت قد أنقذته.
وكالة أوقات الشام الإخبارية – ماذا لو؟