تزايد الاهتمام بالتداول الرقمي في المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة ليس نتاج “موضة” مالية عابرة، بل نتيجة تقاطع ثلاثة محركات: انتشار التطبيقات الاستثمارية منخفضة التكلفة، نضج البنية التحتية للمدفوعات الفورية، واتساع الفضول تجاه الأصول البديلة وعلى رأسها الأصول المشفّرة. غير أن المشهد الإقليمي غير متجانس: الإمارات والبحرين تتقدمان في بناء أطر ترخيص ورقابة واضحة، المغرب يتحرك نحو تقنين بعد سوق غير رسمي ممتد، بينما تتمسك مصر والكويت بمقاربة تقييدية صارمة للمشفّرات، وتُبقي السعودية خطاب التحذير قائمًا تجاه التداول الشعبي مع اتساع اهتمامها بالبنية التحتية للمدفوعات العابرة للحدود. هذه الفوارق تعني أن “حجم السوق” لا يُقاس بعدد المستخدمين فقط، بل بدرجة التنظيم، وسهولة التمويل، ونوعية الحماية المتاحة للمستهلك.
حجم السوق واتجاهات النمو
لا توجد حتى الآن إحصائية عربية موحدة لحجم التداول الرقمي—سواء في الأسهم أو المشفّرات—لذلك يعتمد التحليل على مؤشرات متفرقة من تقارير رسمية وأسواق مال وتقارير بيانات دولية. في الأصول المشفّرة، تقدّر تشيناليسيس أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استقبلت قيمة على السلسلة بنحو 338.7 مليار دولار بين يوليو 2023 ويونيو 2024 (قرابة 7.5% من الإجمالي العالمي للفترة)، بعد مستوى أعلى قُدر بنحو 389.8 مليار دولار في الفترة السابقة (يوليو 2022–يونيو 2023). كما تشير الشركة إلى أن تدفقات المنطقة بلغت ذروة شهرية تتجاوز 60 مليار دولار في ديسمبر 2024 قبل تباطؤ نسبي لاحقًا، وهو ما ينسجم مع “طبيعة الدورة” في أسواق الأصول عالية المخاطر.
وفي أسواق الأسهم العربية المنظمة، تُظهر السعودية مثالًا واضحًا على توسع النشاط الرقمي داخل أكبر سوق عربي: أعلنت السوق أن القيمة المتداولة للأسهم خلال 2024 بلغت نحو 1.862 تريليون ريال (+39.7% سنويًا) مع تنفيذ 128.57 مليون صفقة. وفي الإمارات، تكشف وثائق سوق دبي المالي عن توسع قاعدة المستثمرين رقميًا بإضافة 138,262 مستثمرًا جديدًا في 2024، ووصول إجمالي القاعدة إلى أكثر من 1.2 مليون مستثمر، مع الإشارة إلى أن تداولات التجزئة وذوي الملاءة العالية تمثل نحو 35% من التداول—أي إن الرقمنة أدخلت مزيدًا من الأفراد دون أن تُقصي المؤسسات.
أما تقدير “عدد المستخدمين” في المشفّرات فيعاني نقصًا في الإحصاءات الرسمية الوطنية، لذا يُستأنس بتقديرات مستقلة: تقرير تريبل-إيه قدّر عدد مالكي الأصول المشفّرة عالميًا بنحو 562 مليون شخص في 2024 (6.8% من سكان العالم)، مع تصدر الإمارات والسعودية نسبًا مرتفعة في قائمته (كتقديرات منهجية لا كسجلات رسمية). وبصورة أقرب إلى القياس الميداني داخل سوق منظم، أعلنت منصة ثاندر في مصر تجاوز 5.5 مليون مستخدم خلال 2025 مع بلوغ المستثمرين النشطين أكثر من 679 ألفًا ومتوسط عمر يقارب 30 عامًا—وهو مؤشر ديموغرافي مهم على “توطّن” الاستثمار عبر الهاتف لدى شريحة شابة.
التنظيم والحوكمة في الدول العربية
في الإمارات، تتبلور منظومة تنظيمية متعددة المسارات. في دبي، تدير سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي سجلًا عامًا للجهات المرخصة أو الحاصلة على موافقة مبدئية، وتصدر إشعارات إنفاذ وتحذير حول الجهات غير المرخصة. ويُظهر السجل تراخيص لأنشطة تشمل التبادل والوساطة والحفظ والإقراض والمشتقات لجهات عالمية مثل Binance وOKX وCrypto.com وBitOasis، مع تحديد فئات العملاء المسموح لهم. وفي مركز دبي المالي العالمي، أدخلت سلطة دبي للخدمات المالية تحديثات جوهرية على نظام رموز التشفير ودخلت التعديلات حيز النفاذ في 12 يناير 2026. وفي أبوظبي، أعلن سوق أبوظبي العالمي تعديلات على إطار الأصول الرقمية في يونيو 2025، مع سريان قواعد محدثة تخص العملات المرجعية بالعملة (FRT) اعتبارًا من 1 يناير 2026.
في السعودية، تظل المشفّرات خارج تقنين استثماري صريح للأفراد: هيئة السوق المالية حذرت منذ 2018 من التعامل في العملات الرقمية الافتراضية لكونها خارج المظلة الرقابية، كما حذرت وزارة المالية السعودية في 2019 من التعامل أو الاستثمار فيها لما تنطوي عليه من مخاطر. لكن البنك المركزي السعودي يُظهر مسارًا موازيًا عنوانه “البنية لا المضاربة”، إذ أعلن في 2024 انضمامه إلى مشروع mBridge التابع لـبنك التسويات الدولية (MVP) لتطوير مدفوعات عابرة للحدود بتقنيات دفتر الأستاذ الموزع.
في مصر، تنص المادة 206 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي (قانون 194 لسنة 2020) على حظر إصدار أو الاتجار أو الترويج للعملات المشفّرة أو إنشاء منصات لتداولها دون ترخيص من البنك المركزي المصري، ما يجعل نمو التداول الرقمي هناك أكثر تمركزًا في الأسهم وصناديق الاستثمار والأدوات المرخصة.
في المغرب، يحذر بنك المغرب من غياب حماية المستهلك وتقلبات الأسعار ومخاطر غسل الأموال، وفي الوقت نفسه نقلت رويترز في 2024 أن مسودة قانون لتنظيم الأصول المشفّرة في مسار الاعتماد، وهو ما دعمه أيضًا ذكر صندوق النقد الدولي في 2025 بأن مشروع قانون للأصول المشفّرة أُعد بمساندة البنك الدولي وفي طريقه للاعتماد.
في البحرين، يملك مصرف البحرين المركزي إطارًا تفصيليًا عبر وحدة CRA في كتاب القواعد (Volume 6) يشمل حماية العميل وضوابط التسويق ومتطلبات AML/KYC، وتؤكد منصات إقليمية مثل Rain وCoinMENA أنها مرخصة لدى المصرف.
أما الكويت، فقد أصدر بنك الكويت المركزي بيانًا في 2021 يحذر من التعامل بالأصول المشفّرة لعدم خضوعها للرقابة وارتفاع تقلباتها ومخاطر الاحتيال، وتزامن ذلك مع تقارير عن حظر واسع لأنشطة مرتبطة بالعملات الافتراضية، كما نقلت رويترز في 2025 حملة على تعدين المشفّرات في سياق أزمة كهرباء.
المنصات والبنية التحتية والسكك المالية
التداول الرقمي يتغذى على “سهولة التمويل” أكثر مما يتغذى على الضجيج التسويقي. في الإمارات، أطلقت مدفوعات الاتحاد منصة “آني” بدعم مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي؛ وتذكر الجهات الرسمية أنها تعمل 24/7 وبسقف تحويل يصل إلى 50 ألف درهم. في السعودية، يصف البنك المركزي نظام “سارية” بأنه مدفوعات فورية على مدار الساعة برسوم منخفضة مع إمكان استخدام رقم الهاتف بدل الآيبان. في مصر، يعرّف البنك المركزي شبكة المدفوعات الفورية (IPN) بوصفها شبكة وطنية تربط البنوك منذ مارس 2022، وتؤكد منصة InstaPay أنها مزود خدمة مرخص يعمل على الشبكة. وفي البحرين، يوضح BenefitPay أنه تطبيق للتحويل والدفع عبر الهاتف، مع دفعٍ باتجاه eKYC ضمن مبادرات التحول الرقمي. وفي المغرب، تُظهر بيانات البنك المركزي نمو محافظ M‑Wallet إلى 10.4 ملايين بنهاية 2023، وهي بنية تسند الشمول المالي وتمويل حسابات الخدمات الرقمية.
وعلى مستوى شركات الاستثمار الناشئة (الفينتك)، برزت تطبيقات مثل Sarwa وbaraka في الخليج إلى جانب ثاندر في مصر، بينما توسعت المنصات المشفّرة المرخصة في البحرين والإمارات (مثل Rain وCoinMENA وأسماء عالمية مرخصة في دبي) لتقديم واجهات عربية وربط مصرفي أقوى. وفي أسواق الأسهم التقليدية، تقوم الرقمنة على بنية بورصات وطنية مثل بورصة الكويت وبورصة البحرين وغيرها، لكنها تختلف في درجة الانفتاح على منتجات الأصول الرقمية من دولة إلى أخرى.
سلوك المستثمرين والتعليم والتحول المؤسسي
البيانات المتاحة تشير إلى أن المتداول الرقمي العربي أصغر سنًا وأكثر استعدادًا للتجربة. YouGov قدّر في السعودية (2022) التداول الفعلي للمشفّرات عند 18% مع ميل أعلى لفئة 25–34، وفي الإمارات أشار إلى أن 21% ينوون تداول المشفّرات خلال 12 شهرًا. وفي مصر، تُظهر أرقام ثاندر متوسط أعمار يقارب 30 عامًا، ما يدعم فرضية أن “الاستثمار عبر الهاتف” صار بوابة دخول شريحة واسعة من المستثمرين الجدد.
غير أن السهولة الرقمية قد تسبق الثقافة المالية. تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول محو الأمية المالية الرقمية لمستخدمي الأصول المشفّرة يبرز فجوة بين الوعي بالمشفّرات وبين فهم المخاطر والقدرة على التمييز بين منتج منظم ومخطط احتيالي، ما يجعل الاستثمار في التعليم المالي جزءًا من سلامة السوق. لهذا تتجه منصات إلى المحتوى التعليمي؛ مثل إعلان ثاندر نمو حضورها التعليمي على المنصات الاجتماعية في 2025، بينما تظهر مبادرات مصرفية للتوعية مثل حملة “Let’s Be Aware” في الكويت. وعلى المستوى المؤسسي، يدعم نمو مراكز المال الخليجية دخول خدمات إدارة أصول وحفظ أكثر احترافًا، كما تشير رويترز إلى نمو تسجيل الشركات في مركز دبي المالي العالمي خلال 2025.
المخاطر والامتثال وحماية المستهلك والضرائب
أكبر ثلاثة مخاطر: أمنية، واحتيال، وتقلب. ذكرت رويترز نقلًا عن تشيناليسيس أن خسائر اختراقات المشفّرات بلغت 2.2 مليار دولار في 2024، ثم أشارت تشيناليسيس إلى سرقات قياسية في 2025 مرتبطة بجهات دولة—ما يوضح أن المخاطر ليست “سعرية” فقط، بل تشغيلية وأمنية. من جهة ثانية، يعيد التنظيم العربي التذكير بأن التعامل خارج الترخيص يعني عمليًا غياب حماية المستهلك: VARA تحذر من غير المرخصين، وبنك الكويت المركزي وبنك المغرب يذكران مخاطر الاحتيال وتقلب الأسعار وغياب الإطار الحامي خارج الرقابة.
الامتثال بدوره يتجه لأن يصبح معيار دخول لا خيارًا. مجموعة العمل المالي تتابع منذ تحديث توصيتها 15 إدخال الأصول الافتراضية ومقدمي خدماتها ضمن برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ونشرت تحديثًا مستهدفًا في 2024 حول تطبيق الدول لمتطلبات الترخيص و“قاعدة السفر” (Travel Rule). وفي الضرائب، الصورة غير مكتملة لدى الجمهور: تطبق الإمارات ضريبة شركات اتحادية وفق وزارة المالية، بينما تتغير تفاصيل ضرائب الأرباح الرأسمالية في مصر عبر التشريعات والتطبيق، وفي المشفّرات تحديدًا لا تزال تفاصيل عديدة “غير مقننة أو غير مفسرة بما يكفي” في أكثر من سوق عربي—ما يجعل المخاطر الضريبية جزءًا من مخاطر الاستثمار لا هامشًا يمكن تجاهله.
أفق السنوات المقبلة وتوصيات
من 2026 إلى 2030، يبدو الاتجاه العام نحو تنظيم أكبر لا نحو فوضى أكبر: توسع الترخيص في الإمارات والبحرين، مسار تقنين في المغرب، تشدد في الكويت، واستمرار السعودية في بناء بنية للمدفوعات العابرة للحدود عبر mBridge. ومع ذلك، تظل المشروعات التجريبية بحاجة لوقت؛ إذ أعلنت رويترز خروج بنك التسويات الدولية من المشروع في 2024 بعد بلوغه مرحلة نضج أولية تسمح للشركاء بمواصلته، مع التأكيد أنه لم يصل بعد لمرحلة تشغيلية كاملة.
للمستثمر الفرد، القاعدة العملية ثلاثية: التحقق من الترخيص من مصدر رسمي قبل أي إيداع، فهم الرسوم والرافعة والمخاطر وعدم مطاردة العوائد، وتأمين الحساب (مصادقة متعددة ووعي بالتصيد والهندسة الاجتماعية). ولصانع السياسة، الأولوية هي حماية مستهلك قابلة للتنفيذ: ضبط الإعلان والترويج، مسار شكاوى وتعويضات واضح، إلزام منصات مرخصة بمعايير أمن سيبراني وإفصاح وحفظ، ودمج AML/KYC بما ينسجم مع معايير FATF، مع تعليم مالي رقمي يسبق “الترند” بدل أن يطارده.
وكالة أوقات الشام الإخبارية