الأربعاء , أبريل 24 2024

سوريا – السّعودية: المصالحة بوساطة إماراتيّة… خطوة خطوة!

سوريا – السّعودية: المصالحة بوساطة إماراتيّة… خطوة خطوة!

عبد الله سليمان علي

منذ اللحظات الأولى التي أعقبت وقوع الزلزال المدمّر في 6 شباط (فبراير)، كانت أعين السوريين تترصّد مواقف الدول العربية والغربية، لعلّها تجد فيها ما يؤشر إلى احتمال أن تتحول نقمة الكارثة الطبيعية إلى نعمة على الصعيد السياسي. ونظراً إلى إدراك السوريين مدى خصوصية المملكة العربية السعودية في المحيط العربي، وخبرتهم في معرفة الأدوار الإقليمية والدولية التي يمكن للعلاقات السورية – السعودية أن تقوم بها، رغم أنها لم تخلُ من مطبات شديدة، فقد كان الرادار السوري يسعى إلى التقاط أي إشارة تأتي من الرياض، لا سيما في ظلّ الدمار الطبيعي الذي أعقب سنوات من الخراب السياسي والعسكري، لكون السعودية من البلدان القليلة التي يمكن المراهنة عليها لإصلاح ما أفسده العطّار.

وكان ثمّة لومٌ خفيّ في قلوب السوريين وهم يرون قوافل الإغاثة السعودية تتأخر عن نظيراتها العربية في الأيام الأولى التي أعقبت وقوع الكارثة، وعلت أصوات المتسائلين: أين المملكة من الإمارات، ولماذا لم تسارع الرياض إلى مدّ يدها باتجاه دمشق كما فعلت أبو ظبي؟ وحتى مع شروع قوافل المساعدات السعودية بالوصول جواً وبراً، لم تهدأ الخواطر. وظلّ إصرار المملكة على الموازنة في إغاثتها بين مناطق الحكومة السورية والمناطق الخارجة عن سيطرتها في الشمال الغربي من البلاد، بمثابة مؤشر استبطن قلقاً سورياً مفاده أن الرياض تتعامل مع القضية من منظور إنساني بحت وليست لديها نية في إسباغ أيّ سمات سياسية عليه.

وارتفعت أسهم التفاؤل على حين غرّة، عندما سرّبت وكالة أنباء روسية خبراً عن نية وزير الخارجية السعودي زيارة دمشق، غير أن النفي السوري العاجل لصحة الخبر عبر تصريحات لمصدر في الخارجية السورية، كان كفيلاً بإجهاض هذه الآمال.

ومع ذلك بدت الأجواء التي تحيط بالعلاقة السورية – السعودية من حيث تسريب معلومات تهدف لجس النبض ثم يعقبها تأكيد أو نفي، أقرب ما تكون إلى الأجواء التي سبقت تدشين مسار التقارب بين سوريا وتركيا، إذ شهدت المرحلة السابقة لاجتماع وزراء الدفاع السوري والتركي والروسي في موسكو في 28 كانون الأول (ديسمبر)، الكثير من اللغط والجدال حول إمكان حدوث مثل هذا التقارب.

ولم يعد خافياً أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتولى ملف العلاقة بين سوريا والسعودية، ويقود وزير خارجيتها عبدالله بن زايد وساطة بين البلدين تهدف إلى إحداث ثغرة في حائط القطيعة المتواصلة منذ عام 2011، تمهيداً لإصلاح هذه العلاقة على أسس جديدة، باتت تفرضها التطورات الإقليمية والدولية الجارية في المنطقة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تطرح أبو ظبي وساطتها بالتزامن مع تدشين مسار التقارب السوري – التركي، وذلك من منظور استراتيجي واسع يقوم على ضرورة المحافظة على الموقع السوري بين الدول الإقليمية كي لا تستأثر هذه الدولة أو تلك بالحصة السورية، فيما العرب هم الأولى بها.

وتشير أوساط سياسية مقربة من السلطة في دمشق إلى أن الوساطة الإماراتية قطعت خطوات جدية على طريق تصحيح العلاقة بين دمشق والرياض، مشددة على أن صدور النفي من دمشق بخصوص تسريب الأنباء عن زيارة وزير الخارجية السعودي سوريا، لا يشير إلى عدم رغبة دمشق في حدوث هذه الزيارة بحسب مزاعم يطلقها هواة الاصطياد في الماء العكر، بل إنه جاء نتيجة خشية دمشق من التقاط الرياض إشارة سلبية حول ضلوعها (أي دمشق) في تسريب مثل هذه المعلومات، فهي لا تريد وفق الأوساط نفسها أن يشوب الوساطة الإماراتية أي خطأ تتحمل دمشق مسؤوليته من باب الحرص الكامل على نجاح الوساطة وعدم عرقلة الجهود التي تبذلها دولة الإمارات.

وما عزّز من هذه القناعة التصريحات النوعيّة التي أطلقها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الذي قال خلال حضوره منتدى ميونيخ للأمن، إن “الدول العربية بحاجة لنهج جديد حيال سوريا”، وأن الحوار مع دمشق مطلوب في وقت ما حتى تتسنى على الأقل معالجة المسائل الإنسانية، بما في ذلك عودة اللاجئين”.

ويأتي التلميح السعودي إلى الوعي بضرورة الحوار مع دمشق، من دون تحديد موعد للبدء فيه، بعد مسار طويل ومتعرّج في العلاقة بين البلدين بدأ يشهد إزالة العديد من المطبّات التي كانت تعيق الحركة عليه. وقد شمل ذلك إجراءات اقتصادية وتجارية تهدف إلى تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير بين سوريا والسعودية، كما شمل أيضاً بعض المواقف السياسية التي بلغت ذروتها مع قول مندوب المملكة العربية السعودية الدائم في الجامعة العربية عبد الرحمن بن سعيد أواخر العام الماضي: “نحن نتمنى عودة سوريا إلى المحيط العربي”. وقد كان لعودة الرياض إلى رفع العلم السوري الرسمي بالتزامن مع انعقاد القمة العربية الصينية في الرياض في 10 كانون الأول (ديسمبر)، رمزية خاصة تشير إلى تبني الرياض موقفاً أكثر مرونة من سوريا.

هذا الموقف الذي لم يكن بمقدور الرياض التعبير عنه صراحة، لأسباب عديدة قد يكون منها عدم رغبتها في التسرع في أي خطوة تقارب مع دمشق، هو ما أكّده وزير الخارجية السعودي في مؤتمر ميونيخ بقوله إنه “في ظل غياب سبل تحقيق الأهداف القصوى من أجل حل سياسي، فقد بدأ يتشكل نهج آخر لمعالجة مسألة اللاجئين السوريين في دول الجوار ومعاناة المدنيين”، بخاصة بعد الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا. وبدا واضحاً أن النهج السعودي الجديد يقوم على التمييز بين الأهداف القصوى التي ليس في الإمكان تحقيقها نتيجة طبيعة التطورات التي تحيط بالملف السوري، والأهداف الأكثر أهمية من زاوية إنسانية.

ويرى مراقبون للمشهد السوري أن المواقف السعودية المعلنة إنما تمثّل استجابة نوعية من الرياض للوساطة التي تقودها الإمارات في سبيل إحداث التقارب بين قطبين عربيين، وأن الرياض رغم تجاوبها المرن مع هذه الوساطة، إلا أنها لا تزال تعتبر القضية قيد النقاش وتحت الاختبار بانتظار ما يمكن لدمشق أن تقوم به من أجل ملاقاة الموقف السعودي المستجد.

وفيما كان الهاجس الإيراني هو المهيمن على رغبة بعض الدول العربية في إعادة تطبيع علاقاتها بدمشق، يبدو أن التطورات السياسية الأخيرة دفعت هذه الهواجس إلى مؤخرة الاهتمام العربي، لا سيما في ظل التقارب بين سوريا وتركيا وما يمكنه بطبيعة الحال أن يقوم به من كبح للنفوذ الإيراني نتيجة ما يفرضه من تنافس بين قوتين إقليميتين، وكذلك بسبب الخطوات التي قطعها الحوار السعودي – الخليجي، في ما يبدو أنه سيكون مكملاً لجهود عربية للتقارب مع دمشق لجهة تغيير الاستراتيجية في التعاطي مع النفوذ الإيراني من استراتيجية الصراع إلى استراتيجية التنافس.

وعلى هذا المنطق قامت الوساطة الإماراتية التي لم تعد ترى في إيران جهة معادية ينبغي الدخول في صراع معلن معها، بل يقتضي المنطق الإماراتي اعتبارها قوة من بين القوى التي تسعى إلى التنافس في الإقليم، مع إيمان إماراتي بأن العرب لديهم القدرة على البقاء في سوريا وتطوير العلاقة بها لأنهم الأقوى والأصلح للقيام بهذه المهمة.
النهار العربي