الأحد , فبراير 25 2024
بندر يعلن تغيير النظام السوري خلال 6 أشهر وبايدن يعلن

بندر يعلن تغيير النظام السوري خلال 6 أشهر وبايدن يعلن موعد الغزو الروسي لأوكرانيا

في العام 2012، أعلن مدير الاستخبارات السعودية آنذاك، الأمير بندر بن سلطان عبد العزيز آل سعود، عن ثقته في تغيير النظام السوري خلال ستة أشهر فقط.

شام تايمز

حينها، لم يأت ذلك الإعلان من فراغ، وإنما جاء استناداً إلى معلومات/ “تسريبات” سرية خطيرة من وكالة استخبارات عتيدة يثق بها السفير السابق للمملكة العربية السعودية في واشنطن، والذي خدم هناك سفيراً لبلاده أكثر من عقدين من الزمان. قالت التسريبات الاستخباراتية آنذاك إن عملية نوعية ستطيح بالنظام في دمشق، وتسقط الرئيس السوري، بشار الأسد.

شام تايمز

وبالفعل، وقعت عملية نوعية، لا يزال الغموض يكتنفها حتى الآن، بتاريخ 18 يوليو 2012، سميت بـ “اغتيال خلية الأزمة”، وتم خلالها تفجير مبنى الأمن القومي السوري، الذي نجم عنه مقتل وزير الدفاع، داود راجحة، ونائبه آصف شوكت، ورئيس خلية إدارة الأزمة، حسن تركماني، ورئيس مكتب الأمن القومي في حزب البعث السوري، هشام بختيار، وإصابة وزير الداخلية، محمد الشعار.

وبالفعل، سبّب التفجير ضجة دولية كبيرة، تحركت على أثرها جامعة الدول العربية، ومجلس الأمن الدولي بهيئة الأمم المتحدة، واعتبر التفجير نقطة فاصلة في مسار الحرب السورية، وألقى بالزيت في نار الصراع الأهلي الذي استمر منذ ذلك الحين، وحتى يومنا هذا، بينما لا تجد الأزمة السورية حلاً لها.

لكن الأسد لم يسقط، ولا سقط “النظام السوري”، لا بعد ستة أشهر، ولا حتى بعد ستة أعوام.
أخطأت وكالة الاستخبارات العتيدة، التي استند إليها الأمير بندر في تنبؤاته بسقوط نظام الأسد، والتي أكاد أجزم أنها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ولم تكن على حق. تماماً كما لم تكن على حق في تقديراتها بالنسبة للعراق، أو بالنسبة لأفغانستان، أو بالنسبة لأسامة بن لادن، والقاعدة، وداعش وغيرها من خططها ومؤامراتها ومشاريعها الفاشلة، التي غذّت العالم بعشرات التنظيمات الإرهابية، وعشرات الآلاف من الذئاب المنفردة، التي تطل برأسها الخبيث علينا من شتى العواصم حول العالم. فلا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية والغرب أكثر أمناً، ولا أصبحنا في الشرق الأوسط أكثر استقراراً وازدهاراً.

اليوم، تطل علينا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مجدداً بتسريبات تحذر من “هجوم روسي وشيك على أوكرانيا”، ما دفع الحكومات حول العالم إلى حث مواطنيها الموجودين حالياً في أوكرانيا على المغادرة، ووقف خطوط الطيران فوق أوكرانيا، وبعض شركات الطيران لرحلاتها من وإلى أوكرانيا، استناداً إلى “معلومات جديدة”، من الوكالة العريقة، تتعلق بـ “النزاع الروسي الأوكراني”.

بل وتوقعت المخابرات المركزية الأمريكية أن يبدأ “الغزو” الروسي يوم غد الأربعاء، 16 فبراير، لتتوالى الأنباء من مصادر “موثوقة”، وأخرى “مطلعة”، وثالثة “مقرّبة”، دون أن نعرف أي شيء عن تلك المصادر من جميع أنحاء الدول الغربية، التي من الواضح أنها بدأت حملة إعلامية شعواء، تستهدف رسم صورة غرائبية ومرعبة لروسيا أولاً، وللرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ثانياً، ولطبيعة الصراع الداخلي الأوكراني، ثالثاً، من خلال توريط روسيا في ذلك الصراع، والحديث باستمرار وبكثافة عن صراع “روسي أوكراني” بينما جوهر الصراع، في حقيقة الأمر، هو بين الحكومة المركزية في كييف، الواقعة تحت تأثير اليمين المتطرف، وبين جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين، التي يتماهى معظم سكانها من المواطنين الأوكرانيين مع جيرانهم الروس (ويحمل أكثر من نصف مليون نسمة منهم جنسية روسية إلى جانب جنسيتهم الأوكرانية الأصلية)، تماماً مثلما كانت أوكرانيا في السابق تتماهى مع المحيط الروسي، وتعيش في أمان وسلام، بينما يتحدث جميع سكانها اللغتين الأوكرانية والروسية في تناوب وتناغم، وتتكامل الثقافتان معاً في وئام وتآلف.

أقول إن جوهر الصراع بين المواطنين الأوكرانيين من اليمين المتطرف وإقليم الدونباس، حيث يميل اليمينيون المتطرفون، الذين يرضخ النظام الحالي لهم، لفرض الحلول الأمنية، التي أثبتت فشلها مرتين من خلال عمليتين عسكريتين، بينما تحركهم مصالح وأجهزة غربية، ترغب بشدة في دق إسفين بين المواطنين الأوكرانيين وبعضهم البعض، تحت مزاعم “استعادة السيادة على الأراضي” و”وحدة الأراضي الأوكرانية”، دون النظر إلى المبدأ الراسخ في القانون الدولي لـ “حق الشعوب في تقرير المصير”، ورغبة الجمهوريتين الانفصاليتين في التمتع بأبسط الحريات والحقوق في التعليم والثقافة واللغة التي نشأوا وتعوّدوا عليها، في ظل مظاهر قمع وملاحقات أمنية وانقطاع للخدمات الأساسية وضربات عسكرية من حين لآخر، في خرق واضح لاتفاقيات مينسك.

ترى روسيا أن حل أزمة إقليم الدونباس، الذي يضم جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، يمرّ فقط عبر اتفاقيات مينسك، التي تنص صراحة على سحب الحكومة في كييف للأسلحة الثقيلة من حدود الإقليم، وضمان فعالية المراقبة والتحقق من وقف إطلاق النار بموجب الاتفاقيات من جانب منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وبدء الحوار في اليوم الأول بعد الانسحاب، بشأن طرق إجراء الانتخابات المحلية، وفقاً للتشريعات الأوكرانية، وقانون أوكرانيا، بشأن “النظام المؤقت للإدارة الذاتية المحلية في مناطق معينة من منطقتي دونيتسك ولوغانسك”، وكذلك بشأن النظام المستقبلي لهذه المناطق على أساس هذا القانون.

تنص تلك الاتفاقيات كذلك، والتي وقعت عليها أوكرانيا وروسيا وألمانيا وفرنسا (رباعية النورماندي)، في حضور ممثلين عن جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك عام 2014، على اعتمادها الفوري من قبل البرلمان الأوكراني في موعد لا يتجاوز 30 يوماً من تاريخ التوقيع على الوثيقة، مع الإشارة إلى المنطقة التي تخضع لنظام خاص وفقاً للقانون الأوكراني، وضمان العفو بتبني قانون يحظر مقاضاة ومعاقبة الأشخاص بسبب أحداث وقعت في مناطق معينة من منطقتي دونيتسك ولوغانسك.

تضمنت الاتفاقيات أيضاً بنوداً تشمل الإفراج عن جميع الرهائن والمحتجزين بشكل غير قانوني، وتبادلهم على أساس مبدأ “الجميع مقابل الجميع”، على أن تكتمل هذه العملية حتى اليوم الخامس بعد الانسحاب كحد أقصى، وتحديد طرق الاستئناف الكامل للاتصالات الاجتماعية-الاقتصادية.

ثم بعد اكتمال تلك البنود من الاتفاقيات، تستعيد الحكومة الأوكرانية كامل سيطرتها على الحدود في جميع مناطق الصراع، بعد اليوم الأول من الانتخابات المحلية، والتسوية السياسية الشاملة، بحلول عام 2015. على أن يجرى إصلاح دستوري في البلاد يفترض اللامركزية كعنصر أساسي، ويراعي خصائص مناطق محددة من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، واعتماد تشريع دائم بشأن الوضع الخاص لهذه المناطق.

هذا هو لب المشكلة الأوكرانية بكل وضوح وصراحة. أما ما نسمع ونرى من تحليلات وتصوّرات ورؤى وأوهام حول رغبة بوتين في “استعادة الاتحاد السوفيتي”، أو “تدبير انقلاب في أوكرانيا وتنصيب حكومة عميلة”، أو “غزو روسي”، “هجوم روسي وشيك”، وحول “الأزمة الروسية الأوكرانية”، فكل تلك تعليمات وإملاءات و”توصيات” و”نشرات” استخبارية أمريكية تأتي لوسائل الإعلام، ومنها وسائل إعلام عربية مع الأسف الشديد، حتى تضع العالم أجمع أمام خطر “الحرب العالمية الثالثة”، وتضع أوروبا أمام “تهديد روسي زائف” لا أساس له من الصحة.

إن جوهر المشكلة الأوكرانية هو أن كييف تراوغ في تنفيذ اتفاقيات مينسك، وتلعب دور “الطفل المدلل” في الاجتماعات، التي تحاول إفسادها عمداً، من خلال تشويه الاتفاقيات، والتهرب من تنفيذها من خلال تقديم “تفسير أوكراني” لكلمات “استشارة” أو “مناقشة”، ما اضطر نائب رئيس إدارة الكرملين، دميتري كوزاك، إلى الاستعانة بقاموس “كامبردج” التوضيحي للغة الإنجليزية في مفاوضات المستشارين السياسيين لصيغة “نورماندي” لإقناع زملائه الأوكرانيين بمعنى هذه الكلمات الواردة في الاتفاقيات. جوهر المشكلة أن كييف تريد إعادة ترتيب بنود الاتفاقية، وتطالب بتنفيذ بند “استعادة السيطرة على الحدود”، قبل تنفيذها هي لما سبقها من بنود، بمعنى أنها تريد أخذ كل شيء، دون أن تمنح أي شيء.

فالنظام الحالي في أوكرانيا إنما يتصرف استناداً لما يتوهمه من دعم أمريكي وغربي مفتوح، تتحدث عنه وسائل الإعلام ليل نهار. لكننا جميعاً، وتحديداً في الشرق الأوسط، نعلم جيداً ما يعنيه ذلك الدعم و”الغطاء الأمريكي”، ونعلم جيداً ما فعلته الولايات المتحدة بحلفائها من الرؤساء والأنظمة، حينما دقت ساعة الحقيقة، ووقفوا وحدهم أمام التهديدات والمخاطر والتحديات ومطالب الشعوب. ولنا في مشاهد الطائرات المغادرة لأفغانستان، في أغسطس وسبتمبر الماضيين، عبرة وتذكرة لمن لا يعي دروس التاريخ.

على الجانب الآخر، فلم تتعظ الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولم تتوقف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن استخدام نفس الأساليب الرديئة، التي استخدمتها من قبل في العراق وسوريا وأفغانستان وليبيا ويوغوسلافيا والشيشان، وتعبئة خلايا متطرفة نائمة في سوريا ضد القوات الحكومية، وفي أوكرانيا ضد إقليم الدونباس، وهو ما أعتقد أن تدبيره يجري فعلياً الآن، لافتعال استفزاز على الحدود مع الإقليم، لتوريط النظام في كييف للدخول في مواجهة مع الجمهوريتين الانفصاليتين، وثم اندلاع حرب لا تحمد عقباها على الجميع.

ختاماً، أعود لتعليق قاله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في العام 2015، بعدما أثبتت مجريات الأحداث أن حرب التحالف الدولي على داعش لم تكن، في أحيان كثيرة، سوى هجوم صوريّ على “حليف قديم”، تعقد عليه الآمال لـ “إسقاط نظام الأسد”، ربما خلال 6 أشهر كما صرح الأمير بندر بن سلطان. قال بوتين حينها، بعد عملية إطلاق صواريخ بعيدة المدى من بحر قزوين إلى سوريا، أصابت 11 هدفاً على مسافة 1500 كيلومترا، في غفلة من المخابرات المركزية الأمريكية: “إن المخابرات المركزية الأمريكية إحدى أفضل أجهزة المخابرات في العالم، فدعونا لا نقذفها بالحجارة. هي بالفعل أقوى الأجهزة الاستخباراتية، لكنها لا تعرف كل شيء، ولا يتعيّن عليها أن تعرف كل شيء”.

في ضوء التوتر الحاد حول أوكرانيا وأزمة روسيا والناتو، لا أرى سوى خيار واحد هو الاستمرار في الحوار والتفاوض، والتخلي عن أوهام القوة والتفوق واستثنائية الغرب.

رامي الشاعر كاتب ومحلل سياسي سوري – راي اليوم

اقرأ أيضا: إدارة بايدن تستعد لأزمة أوكرانيا بـ”فريق النمر”

شام تايمز
شام تايمز