من «مُختار» في حلب إلى غياهب كندا.. قصة سوري رحلت عنه السعادة

وكالة أوقات الشام الإخبارية

عبد الرحمن طه
الصورة الرئيسية: محمد الشربجي وابنته سدرة تحتضنه بعدما أخبرها أن حلمه هو أن تنظر إلى السماء وتشعر بالسعادة. مصدر الصورة: The Globe and Mail / كريس دونوفان

في الثانية صباحًا من يومٍ من أيام منتصف رمضان في عام 2012، كان محمد الشربجي رجلًا واسع النفوذ. امتلك أعمالًا تجارية وعمِل في مجال إعمار الأراضي، وقضى 15 عامًا في منصب المُختار في حيِّه بمدينة حلب السورية. يطرق الناس بابه طلبًا للمشورة، ويطربون لسماع غنائه.

في الثانية صباحًا من ذلك اليوم، جاءته مكالمة من جاره الحلبي. «هناك رجال مدججون بالسلاح في منزلك».
وبعد الثانية صباحًا، كانت نهاية كل هذا. يحكي كاثال كيلي في صحيفة «ذا جلوب آند ميل» الكندية قصة الشربجي، ورحلته من العز في حلب إلى النسيان في كندا، فرارًا من الحرب السورية.
أولًا أخذ «الرجال المدججون بالسلاح» ممتلكات عائلته ومن ضمنها مزرعته التي كان يُقيم فيها, أما باقي ممتلكاته ومقدراته فقد أُخذَت منه في فراره المعذور خارج البلاد.

بعدها سلبوه الأمان، حين حطَّ في القاهرة وتلقى هناك الكثير من التهديدات. وقضى أربعة أعوامٍ في مصر يملؤها الخوف والترقب.
وفي النهاية، أخذوا منه أحباءه. بدأ الأمر بابنه الذي علق في دمشق ولم يستطع المغادرة مع العائلة. بعدها وجَّهت السلطات الكندية دعوة لجوءٍ إلى أفرادٍ بعينهم من عائلة الشربجي: محمد، وزوجته موانة، وأمه التسعينية فخيرة، وابنته الصُغرى سدرة البالغة من العمر 16 عامًا. ذهب هؤلاء إلى كندا عدا محمد، الذي أخبرهم بأنه سيلحق بهم في 15 يومًا، استطالت لتصبح سبعة عشر شهرًا.
يصف كيلي ما رآه في محمد الشربجي حين قابله في مدينة سانت جونز الكندية، حيث لحق أخيرًا بعائلته. يقول «حين تلتقي بالشربجي، تجد له حضورًا دافئًا قويًا، بعينين زرقاوتين شفافتين في وجهٍ معبِّر». وعينا الشربجي تُبكيهما أشياء كثيرة الآن. حين يتذكر ابنه، وعائلته الغائبة، وحياته السابقة، والقادمة. حين يُطالع ما استنقذه من صورٍ تظهره أكثر شبابًا بكثير، بالرغم من التقاط أحدها منذ ستة أعوامٍ فقط. حين يُحاول الغناء لزواره وعائلته فلا يجد صوتًا.

لا أفتقد المال. أفتقد السعادة. هي غذاء الروح.
يعيش الشربجي الآن محاصرًا في غرفة المعيشة بشقته الصغيرة سيئة التهوية، الخالية من الزُخرف، ويُحاول فهم كيف حدث هذا. يُعيقة مرضه المزمن ومرض زوجته، وإصابة والدته بمرض ألزهايمر عن الخروج إلى العمل أو مغادرة المنزل لفتراتٍ طويلة. وعجزه عن تعلم الإنجليزية يقتل محاولات التواصل مع جيرانه الكنديين، إلا من تحية «السلام عليكم» وردها «عليكم السلام»، التي لا يعرف الكنديون غيرها من العربية. يتواصل مع العالم عبر ابنته سدرة التي تعلمت اللغة سريعًا. تصحبه إلى المتجر وتتواصل مع الموظفين نيابةً عنه.

حين وصل الشربجي إلى كندا مع الآلاف من أبناء وطنه، حاول بناء حيٍّ تجاري يجمعهم، وكانت لديه خططه وخبراته السابقة، لكن النزاعات حالت دون تحقق رؤيته. الآن هو لا يفعل الكثير في حياته. «أريد المُشاركة، لكنني هنا منذ عامٍ ونصف العام ولم أتحرك سنتيمترًا إلى الأمام. يُمكن أن أشرح لك أيامًا، لكنك لن تحس بما أحس به».
وليست عائلته في وضعٍ مادي يسمح بالكثير. تحصل العائلة على نحو 1900 دولارٍ في الشهر عن طريق الإعانات والمُساعدات. لكن هذا لا يكفي تكاليف الإيجار والأطباء وحفاضات والدته المسنة. الشربجي مدينٌ بألفٍ وخمسمائة دولارٍ تقريبًا على إحدى بطاقات الائتمان، وبالمعدل الحالي، سيستغرق سداد دينه 16 عامًا. كان أولاده في مصر يُرسلون إليه بعض المال، لكنهم صاروا عاجزين عن الاستمرار في ذلك.
في بعض الأمسيات، يأخذ فخيرة في نزهة إلى الكنيسة المجاورة ليقتطفا بعض الورود البرية. وفي أخرى يصعد تلة قريبة من شقته ويحدق في الميناء. يفكِّر في «شرقها وغربها»، على حد تعبيره. يُحاول جلب أطفاله إلى كندا، لكنه لا يدري من يتحكم في مستقبل عائلته أو كيفية التواصل معهم في ظل الحرب المستعرة في سوريا.

المكانُ الأخير الذي يشعر فيه الشربجي بشيءٍ من السلطة هو المسجد. يرتدي الدشداشة (الجلباب)، ويصل مبكرًا ويجلس في الصف الأول. يبذل قصارى جهده في التحدث مع أبناء الجالية المسلمة المحلية. يقول أحدهم «أعلم أنه سيهتدي إلى سبيله. لأنَّ كل شيءٍ بمراد الله».

يُنهي كيلي قصته عن الشربجي بعبارة مؤثرة: «بينما أقود سيارتي مُغادرًا، يقف الشربجي وحده في موقف السيارات، يبكي».


التعليقات الواردة أدناه تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي وكالة أوقات الشام الإخبارية