من كوريا الشمالية… الى الشرق الأوسط

160

من كوريا الشمالية… الى الشرق الأوسط

عباس ضاهر
انها قمّة تاريخية في ​سنغافورة​، تتعدّى حدود تأثيراتها ​الولايات المتحدة الأميركية​ و​كوريا الشمالية​. لكن الادارة الأميركية وضعت مصلحة بلادها أولا، فصبّ الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ كل جهده في ملف كوريا الشمالية، ضمن اطار انهاء النزاعات الدولية التي تكلّف واشنطن أموالا طائلة. ومن هنا ركّز ترامب على “وقف المناورات ما سيوفر علينا مبالغ طائلة”، على أن تتبع الخطوة سحب القوات الأميركية من الجنوب. انها العقلية الاقتصادية التي تدفع حركة الادارة الأميركية نحو تسويات تاريخية، لترجمة ما وعد به ترامب الشعب الأميركي، ابّان ​الانتخابات الرئاسية​ التي أوصلته الى ​البيت الأبيض​.

التسوية بين الأميركيين والكوريين الشماليين، على أساس نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، ووقف التمارين الأميركية والمناورات مع ​كوريا الجنوبية​، وتفكيك مركز المحرّكات الصاروخية في كوريا الشمالية، ليبقى نزع العقوبات الأميركية هو المبتغى الكوري المرتقب بعد التنفيذ. لن يخلّ ترامب بتعهده، ولن يسحب توقيعه، ولن ينقلب عليه من يحلّ في الادارة بعده، كما فعل هو بالاتفاق مع ال​ايران​يين. لأن العائدات المالية التي ستوفرها أو تجنيها الولايات المتحدة الأميركية جرّاء التسوية، أكبر بكثير، خصوصا أن الأميركيين تخلّصوا من هواجسهم التي شكلتها الزعامة الكورية الشمالية منذ سنوات. ولن يعودوا الى المربّع السابق.

فرض ميزان القوى نفسه، ولو لم تكن كوريا الشمالية قادرة، لم يكن ليتجرأ ترامب على عقد تسوية تاريخية معها. لم يسلّم الزعيم الكوري أوراق القوّة لديه، ولم يتنازل عنها الاّ في اطار مكاسب اقتصادية، وضمانات أمنية بقيت تفاصيلها حتى الساعة طي الكتمان. اضطرّت الولايات المتحدة الأميركية الى التعاطي بواقعية سياسية، فكان الزعيم الكوري الشمالي على قدر المسؤولية، بعدما رفع السقف الى اعلاه، في التهديدات، والاستعدادات والمناورات العسكرية، في كل الاتجاهات.

أبرزت تلك التسوية أن لا مستحيلات في السياسة. فتحوّل الزعيم الكوري عالميا، وعلى لسان الرئيس الأميركي نفسه من مجنون، ومتهور، ومجرم حرب… الى شجاع، ومميّز جدا” وذكي… انها السياسة والمصالح. أين سيكون ​الشرق الأوسط​ منها؟.

لا يبدو أن الشرق الأوسط هو محور اهتمام ادارة ترامب، ما عدا ​اسرائيل​، فقط. لا تهمه التسوية مع ايران، الاّ لأنها دولة قويّة، ونووية، وقادرة. لضبط تهديد ​طهران​ أمن ومصالح اسرائيل. لكن هل يعني الأمر أن الشرق الأوسط كلّه سيكون أولوية أميركية؟. لا توحي تصرفات ترامب بوجود الشرق الأوسط على لائحة الأولويات، الاّ من باب ايران–اسرائيل. لا مجال هنا للتسوية بين عدوين عقائديين.

ترامب يمهّد لتسليم ​روسيا​ ​الشرق الاوسط​، ومن ضمنه ملف اسرائيل. لذلك، رصد الخبراء تهافت الاسرائيليين نحو موسكو لتعزيز العلاقة مع الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​. لكن “الدولة الأميركية العميقة” تضع مطّبات في طريق البيت الأبيض، ومن بينها غض النظر عن عودة نشاط “داعش” في ​الموصل​ والشرق السوري، للقول أن ​الارهاب​ لا يزال موجودا، ويهدّد المصالح الأميركية، ولا داع لترك الساحة الشرق أوسطية، التي تختزّن ثروات طبيعية هائلة، وخصوصا الغاز، اضافة الى الموقع الاستراتيجي للمنطقة. لذلك، لا سهولة بالتسليم الترامبي لروسيا في الشرق الأوسط، في زمن زيادة العقوبات الأميركية على معرقلي “صفقة القرن”، بتشجيع من ترامب، للتضييق على ايران وحلفائها، وخصوصا” “​حزب الله​”، والاصرار على ضمان أمن ​تل ابيب​ أبديا”، عبر نجاح الصفقة.

حتى الآن، لا خلافات جوهرية روسية–ايرانية، لكن الادارة الأميركية تترقب تضاربا في المصالح بين الطرفين على الأرض السورية، بعد تعاظم النفوذ الروسي، ومطالبة الايرانيين بالانسحاب من ​سوريا​ بدءا من الجنوب. هذا الأمر، كان محور اهتمام الايرانيين، وقيادة “حزب الله”، الذين ربطوا أدوارهم في سوريا بقرارات دمشق.

بعد اتفاق سنغافورة، لا يستغرب الخبراء حصول اتفاقات تاريخية جديدة، لكن للشرق الأوسط حكاية اخرى، لا يبدو أن الحسابات فيها للعرب، بل لموازين القوى الاسرائيلية، والتركية، والايرانية.
النشرة