الإستراتيجية الجديدة للحروب غير التقليدية

134

الإستراتيجية الجديدة للحروب غير التقليدية

مازن جبور

أيام قليلة، هي المتبقية حتى تضع الحرب السورية بشكلها المتعارف عليه منذ بداية الأزمة في العام 2011، أوزارها، لتتوضح صورة قد تكون أحد السيناريوهات المستقبلية لإستراتيجية جديدة باتت القوى الدولية تنتهجها لتطبيق سياساتها وتحقيق أهدافها بأقل التكاليف البشرية أولاً والمالية والعسكرية ثانياً.
عداوة من النوع الشرس تلك القائمة بين فواعل الأزمة السورية وبالأخص إيران، تركيا، أميركا، روسيا، باعتبار أن لكل من الدول السابقة حضوراً مباشراً على الأرض السورية بشكل شرعي أو غير شرعي، ويسعى كل من تلك الأطراف إلى تحقيق هدفين إستراتيجيين متكاملين: إضعاف نفوذ الطرف الآخر المنافس والعدو، وتحسين تأثيره هو ذاته في تفاعلات الأزمة، وتسترشد هذه الأهداف بمبدأ استراتيجي وسياسي واحد هو تحقيق المكسب الأكبر، ويستخدم كل طرف مبادئ عديدة منها قومية وثورية وحقوقية ودينية وغيرها كوسيلة لتحقيق الأهداف الإستراتيجية الأبعد.
اليوم باتت ساحة الحرب واضحة للجميع وخصوصاً بعد أن توقعت قاعدة حميميم العسكرية الروسية في سورية أن يتم تنفيذ اتفاق الجنوب في الوقت القريب، وفق ما أوردت في أحد منشوراتها على صفحة القناة المركزية السبت الفائت، ومن ثم حينها ستتوزع القوى بين قوة ميليشياوية كردية في شمالي وشمالي شرقي سورية ذي تبعية أميركية مع وجود رعاة لدفع المال خليجيين مع حضور عسكري لا شرعي فرنسي إلى جانب الأميركي في المنطقة، وما يؤكد ذلك ما تردد من أنباء عن تسلل مسؤولين عسكريين من دول عربية بقيادة سعودية اجتمعوا مع مسؤولين عسكريين أميركيين وفرنسيين وقادة من ميليشيا «قوات سورية الديمقراطية- قسد» في عين العرب التي تقع على بعد نحو 160 كيلو متراً عن محافظة حلب شمالي غربي سورية على الحدود مع تركيا.
أما في الشمال الممتد من جرابلس إلى جسر الشغور فثمة إرهاب تحت مسميات عدة برعاية وحضانة وتحت إشراف مباشر من قوات الاحتلال التركية في المنطقة، ليبقى الحيز الجغرافي الأكبر من سورية تحت سيطرة الجيش العربي السوري، وسط تأكيدات سورية بأن الجيش سيكمل عملياته حتى تحرير آخر شبر من أرض سورية.
منذ بداية الأسبوع الحالي ظهرت أخبار متقاطعة، الأول حول ما يتعلق بـ«خريطة الطريق» التركية الأميركية، والثاني ما تردد عن مفاوضات روسية تركية لعملية تبادلية للسيطرة بين تل رفعت ومناطق في ريفي إدلب الغربي وحماة الشمالي، هذه الأخبار المتقاطعة رغم ما تحمله من توقعات بمسعى أميركي روسي لاستقطاب تركيا، إلا أنها قد تحمل سيناريوهاً آخر قائماً على أساس تفاهمات، الهدف منها بالحد الأدنى تحقيق الشكل النهائي للتموضع الدولي الخارجي على الأرض السورية، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل تحقيق الهدف الإستراتيجي للجيش العربي السوري المتمثل بتحرير كل شبر من الأرض السورية.
مما سبق، قد تكون ما سميت «خريطة الطريق» الأميركية التركية أو ما تردد من أنباء عن مفاوضات روسية تركية، عنوانها الرئيس تبادل مناطق سيطرة، والهدف المباشر لها هو إيجاد منطقة جديدة في الشمال لاستقبال الإرهابيين وعائلاتهم الرافضين للدخول باتفاق مصالحة مع الدولة السورية، وخصوصاً إذا ما قوطع الأمر مع التأكيدات الروسية بأن اتفاق الجنوب قد ينفذ قريباً.
إن التموضع المفترض الذي وضح سابقاً للتنظيمات المسلحة على الأرض السورية كل وفق داعميه الدوليين، يشير إلى شكل جديد من أشكال التمركز الخارجي للقوى الدولية خارج حدود الدولة ذاتها، إذ يأخذ مثلاً الحضور الأميركي شكل التحالفات مع «قوى انفصالية» كما هو الحال مع أكراد العراق وأكراد سورية، وبما ينذر إلى أن التوجه القادم لواشنطن سيكون كرد تركيا، على حين إن أنقرة التي لفّت حولها كل التنظيمات المسلحة التي نشأت في سورية على مختلف انتماءاتها وولاءاتها ما يؤمن لها موطئ قدم في كل العالم الإسلامي باعتبارها الحاضن الشرعي لما يمكن تسميته «الإسلام الثوري» من الصين إلى الوطن العربي ولا بد لها من أن تستفيد من خلفيات هذه التنظيمات المسلحة سواء «جيش الإسلام» السعودي أم «فيلق الرحمن» القطري وغيرها.
إن دعم القوميات الراغبة في الانفصال على غرار نموذج أميركا، كرد الشرق الأوسط أو نموذج تركيا «الإسلام الثوري»، سيمنح لكل من واشنطن وأنقرة نفوذاً سياسياً غير محدود، تستفيد منه في تبني إستراتيجيات عملية عبر الحروب غير التقليدية، قائمة على أساس تكوين علاقات عميقة مع مختلف الجماعات المطابقة لـ«الإسلام الثوري» أو «القوى الانفصالية» ما دون الدولة، وتقديم أسلحة لهم، وتدريبهم لتمكينهم من مهاجمة دولهم، أو خصوم الدول الداعمة لهم، في العديد من الحالات، الأمر الذي قد لا يتوقف هنا بل يمتد إلى خلق هذا الشكل الجديد من الجماعات، وفق إستراتيجية جديدة قائمة على أساس «الحروب غير التقليدية الممتدة»، التي تسعى إلى إنشاء الجماعات المسلحة وتطويرها والسيطرة عليها من أجل تقويض الخصم.
في العديد من الحالات، سيسعى الداعمون لتلك القوى ما دون الدولة، إلى حصولها على وضع سياسي شرعي، ما يمكنها من الدخول إلى الساحة السياسية والجغرافية للدولة وحمايتها من النزاعات السياسية والعسكرية الداخلية.
الوطن