زياد دويري ومحمد جابر وعزمي بشارة

وكالة أوقات الشام الإخبارية

ايهاب زكي

في الوقت الذي كانت السلطات اللبنانية تقوم باعتقال المخرج اللبناني زياد دويري، كانت القناة الثانية العبرية تبث تقريرًا من مدينة الخليل عن الشيخ محمد جابر، وذلك عبر مراسلها للشؤون الفلسطينية أوهاد حمو، وكان التقرير يتناول حياة الشيخ المذكور ماضيًا وحاضرًا، فكما قال لمراسل القناة أنّه كان منتسبًا لحركة حماس ومعتقلًا في السجون "الإسرائيلية"، وكما أبدى تصريحًا أنّ هذا الانتساب كان محض جهلٍ بأساليب زعمائه في القدرة على التضليل، فهُم من ينشرون الحقد والكراهية المؤديّين للقتل والاحتراب، ويعتبرون هذه الدماء طريقًا للجنة، وهذا ما يخالف روح الإسلام، دين المحبة والسلام، وقد أورَد الحادثة التي غيّرت مجرى تفكيره، حين كان بصدد تنفيذ عمليةٍ تفجيرية بأحد معسكرات الإحتلال مع أحد أصدقائه، قبل أن يكتشف أحد الجنود وجودهما، فيسأل عن سبب وجودهما، فيجيبان تمويهًا أنهما يبحثان عن الطعام، فأسرع الجندي إلى داخل الثكنة جالبًا لهما الطعام، حينها يقول الشيخ نظرت لصديقي وقلت "كيف يمكن أن نقتل شخصًا طيبًا كهذا"، وكأنّ القناة العبرية أرادت أن تأخذ دور الدفاع عن المخرج اللبناني وإن عن غير قصد.

 

فبعد أن تمّ تقزيم الصراع العربي الصهيوني في الوعي الجماهيري بفعل ثقافة النفط إلى مرحلة اعتباره مجرد نزاع عقاري، أصبحت السلوكيات الرسمية لـ"صاحب العقار" مدخلًا ومبررًا لمن هم في خانة "المتضامنين"، بل أصبح الاتصال مع غاصب العقار وجهًا آخر للتضامن مع صاحب العقار، أو هكذا يتم تصويره وإخراجه، ولكن ما يتم تجاهله عن سبق تصوّر وتصميم هو وجود عدو مجرد وجوده اعتداء دائم، بغض النظر عن سلوكيات المعتدى عليهم جهلًا أو خيانةً، هذا بالنسبة لـ"المتضامن" البعيد، أمّا لبنان فليس متضامنًا حتى بالمقاييس العقارية، فهو شريكٌ بل أصيل، حيث لا يزال الكيان المعادي يمارس العدوان بشكلٍ يومي، فهو يحتل أراضٍ لبنانية ويسرق مياهًا لبنانية ويعربد في السماء اللبنانية ويسعى لسرقة النفط اللبناني، ولا ينفك يهدد لبنان أرضًا وشعبًا بالتدمير والخراب والدم، ولا أعرف إن كان العقل الفني لزياد دويري يستطيع إدارك أنّ هذا واقع وحقائق، وليس فيلمًا أحداثه محض خيال كاتب، فاجتياز حدود فلسطين المحتلة لأيّ مواطن لبناني، يحتاج منه اعتبار الحواجز التي أقامتها "إسرائيل" عبر تاريخها الدموي مع لبنان، أنّها حواجز من وهمٍ وخيال، وإلّا كيف تسوغ له نفسه قطع أنهار الدم وتلال الجماجم لو كان يعتبرها حقيقةً وحقيقية.

 

عادةً ما يحاجج المثقفون المطبّعون والآيلون للتطبيع بالديمقراطية الفذّة التي يتمتع بها كيان العدو، ولكن مجرد رفض عزمي بشارة اعتبار لبنان وسوريا دولتين عدوتين، كانت في عرف الكيان "الديمقراطي" مسوغًا كافيًا ليقدم "وزير داخليته" طلبًا رسميًا لـ"المستشار القضائي" بسحب جنسيته، وقد حوكم بتهمة التخابر مع دولةٍ عدوة ومنظمةٍ"إرهابية" عدوة، وبغض النظر عن خلفيات ومآلات هذه القرارات والمحاكمات، فإنّ هذا الكيان "الديمقراطي" لم يخشَ أن تُخدش ديمقراطيته، وبالمناسبة فهذه منظمة لبنانية إذا كان زياد دويري لا يعرف، أو يعرف لكن عقله الفني يستنكف عن التضامن مع مواطنيه باعتباره سياسة، والعقل الفني تلوثه السياسة، وعلى افتراض صوابية هذه القاعدة الخَرِبة، فلماذا اختيار "إسرائيل" للإقامة فيها، أليس من الأولى تجنب الشبهات السياسية للمحافظة على فنية الفن وحياديته، فما هي الإمكانيات التقنية والفنية والمالية والبشرية التي يفتقدها العالم وتحتكرها "إسرائيل"، حتى تكون زيارتها اضطرارًا فنيًا مُلحًا، هنا يجب إدراك ما أخطر من الزيارة بذاتها، وهو أنّ هناك أطرافًا إقليمية تسعى لإشهار علاقاتها مع الكيان"الإسرائيلي"، وما زيارة الأمير السعودي مؤخرًا إلّا رأس جبل الجليد، وهذا بالضبط هو الطرف الأكثر مصلحةً بتطبيع الجميع خصوصًا لبنان.

 

وليس مستبعدًا أنّ الاعتقالات التي تحدث حاليًا في المملكة السعودية لدعاةٍ ورجال دين، أن تكون في ذات الاتجاه، حيث أنّ هذه الأطراف قد يكون لها موقف من إشهار العلاقات ولو بالصمت، خصوصًا أنها تمتلك شعبية كبيرة، فسلمان العودة من أكثر رجال الدين شعبية في السعودية، وهاشتاغ اعتقاله أصبح الأول عالميًا، فالسعودية ذات مصلحة كبرى بإحالة الخطاب العدائي لحزب الله تجاه"إسرائيل" إلى خانة الإرهاب والتطرف، وذلك من خلال تجارب حيةٍ معاشة يقوم بها لبنانيون عن إنسانية الكيان والمشتركات الإنسانية معه، فيصبح هذا التطرف الحزبي هو السبب الوحيد في نشر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، وتحت سطوة الانبهار الشعبي بالجوائز العالمية التي يحرزها فنانون لبنانيون مطبّعون، يصبح التصويب على حزب الله مشروعًا باعتباره مانع الانطلاق اللبناني نحو العالمية، ومن الواضح أنّ "إسرائيل" وهي تشعر بالعجز العسكري عن مواجهة محور المقاومة، تلجأ لجناحين متوازيين لتصبح الأوطان وشعوبها بمواجهةٍ بينية، جناح رجال الثقافة والفن وجناح رجال الدين، واللافت أنهما جناحان لدودان، فهؤلاء يتهمون أولئك بالتشدد والعداء للفن، وأولئك يتهمون هؤلاء بالخلاعة وتوهين عزم الأجيال، ولكنهما يلتقيان في فكرة نشر المحبة والسلام، وإصرارًا إلّا من بوابة"تل أبيب".

بيروت برس


التعليقات الواردة أدناه تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي وكالة أوقات الشام الإخبارية