جنيف.. إعادة تشكيل

وكالة أوقات الشام الإخبارية

مازن بلال

تلقي خلافات «منصة الرياض» بظلالها على جملة العملية التفاوضية، وهي تطرح جملة أسئلة مرتبطة بآلية التفاوض وطبيعة التمثيل القائم على «منصات» تنقل على الأغلب التوجهين الإقليمي والدولي للأزمة السورية، فوفد «الهيئة العليا للتفاوض» شكل خلال جولات جنيف الماضية تحالفاً إقليمياً بمظلة أميركية، وعبر عن رغبة ثلاث دول أساسية هي تركيا وقطر والسعودية، في إحداث تغيير داخل شكل الحكم في سورية، ورغم التعثر الدائم داخل هذه «الهيئة» وعدم قدرتها على خلق توازن داخلي بين أعضائها، لكنها بقيت مستمرة ولم تصل خلافاتها إلى الحد الذي بلغته اليوم، فالخلاف داخل «الحلف الإقليمي» والأزمة الخليجية، أنهى الدور الوظيفي لهذه المنصة، ما وضعها ضمن احتمالات خطر يمكن أن تؤدي إلى تبدل عميق في بنية الوفد الخاص بـ«الائتلاف».
ما قامت به الرياض هو محاولة تجميع جديدة عبر ما سمي «مؤتمر الرياض2»، وهو في واقع الأمر تجربة لاستمرار «الهيئة العليا للتفاوض» عبر توازن جديد يضيف بعض الأطراف للوفد، ولكن نجاح مثل هذا الأمر يبدو صعبا لأن «منصة الرياض» على عكس باقي المنصات لم تمثل «مبادرة» تجاه الحل، بل طرحت نفسها بديلا للحكومة السورية واحتكرت تمثيل المعارضة بشكل كامل، وفي الجولة الأخير من جنيف ظهرت بوادر الخلل عندما قبل وفد «الهيئة العليا للتفاوض» الاجتماع بباقي ممثلي المعارضة، ولم يكن هذا الأمر تنازلا بقدر كونه عجزا عن الاستمرار بالصيغة السابقة نفسها التي كانت تتعامل مع وفد «منصة الرياض» على أنه يملك شرعية تفوق باقي المنصات.
مع الاحتمالات الضعيفة لنجاح ما يسمى مؤتمر الرياض الثاني، فإن المواجهة ستختلف كليا في جنيف، فالمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا سيجد نفسه أمام أطراف مدعومة دولياً بالدرجة نفسها من دون أي تفضيل لوفد «الهيئة» على باقي المنصات، في وقت تم تصميم التفاوض على أساس أرجحية وفد «منصة الرياض» على باقي المشاركة، فهل يمكن أن تتبدل آلية التفاوض أو طبيعة التمثيل؟
من الصعب إيجاد إجابة كاملة عن مستقبل التفاوض، وهناك أمران أساسيان يمكن النظر إليهما في هذا الموضوع: الأول، أن التفاهمات العسكرية وعلى الأخص الاتفاق الأميركي الروسي الأخير في هامبورغ؛ تؤشر إلى أن العملية التفاوضية يجب أن تراعي التوازن العسكري القائم، فالتمثيل الخاص بوفد «الهيئة العليا للتفاوض» التي كانت تدعي الوصاية على الفصائل المسلحة سيتغير بشكل كبير، وهذا الأمر يستدعي أيضاً إعادة النظر بمنصتي القاهرة وموسكو لتصبح أكثر تعبيراً عن الحالة السياسية القائمة في سورية خارج مناطق تمركز المسلحين، فتمثيل الداخل السوري يمكن أن يتبدل، والوفود الذاهبة لجنيف لن تستمر كمبادرات منبثقة عن عواصم دولية أو إقليمية.
الثاني هو النظرة الدولية للدور الروسي؛ فطوال السنوات الماضية كان التوجه أن موسكو تقدم غطاء للوفد الحكومي السوري، وحتى عندما تشكل مسار جديد من معارضة الداخل برعاية روسية تم اعتباره دعما روسيا للتوجه السوري الرسمي، لكن موسكو اليوم هي الضامن الأساسي لكل مناطق خفض التوتر وللاتفاق الروسي الأميركي في الجنوب السوري، فهي أصبحت دوليا على الأقل نقطة توازن في حل الأزمة السورية.
تحضيرات جنيف القادم مازالت تنتظر التوازن الجديد الذي فرضته تحولات الاتفاقات العسكرية سواء في أستانا أم هامبورغ، ومهما كانت طبيعة التغيير الذي سيحدث في الجولة القادمة فإنه سيكون فرصة للداخل السوري تحديدا، لأنه يواجه اليوم استحقاق التفاوض في ظل تعثر الوصاية التي فرضت على جميع الوفود التي حضرت في جولات جنيف، فالميزان السياسي اليوم يتيح إعادة إنتاج بنية سياسية يمكنها تقديم مجال تفاوضي مختلف.
الوطن


التعليقات الواردة أدناه تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي وكالة أوقات الشام الإخبارية