هل ننعم بلعنة الله والتاريخ والأجيال..؟!

وكالة أوقات الشام الإخبارية

ايهاب زكي

قد يكون بيان الحكومة الأردنية بصفتها المشرف على أوقاف القدس، أكثر حِدةً من بيان حركة المقاومة الإسلامية - حماس-، ولكن القاسم المشترك بينهما أنّ "الحكومة الإسرائيلية" ألقت بكليهما في سلة المهملات، وهذا ليس مرده شجاعة "إسرائيلية" واستعداد لتحمل النتائج، بل اليقين بعدم وجود نتائج خارج السيطرة. ففي اليوم الذي تكشر فيه الحكومة الأردنية عن أنيابها ستناشد الأمم المتحدة، وإن لم تجد آذانًا صاغية لدى المنظمة الدولية، قد تطالب برفع مستوى التنسيق مع "الجيش الإسرائيلي" في الجنوب السوري، وهذا كفيل بإحراج نتن ياهو بالخطة الجهنمية للأردن، فيعيد فتح أبواب الأقصى أمام المصلين حرجًا تحت ضغط الخطوة الأردنية الكريمة، أما حماس فقد تصدر بيان تأييد وتضامن مع قطر في وجه "الحصار"، أو قد تحمّل رئيس السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني مسؤولية إغلاق الحرم القدسي، وفي حال الوصول للحائط المسدود، قد تعلن حماس عن خطاب تاريخي لرئيس مكتبها السياسي الجديد اسماعيل هنية، فيخرج على الشاشات معلنًا الشكر للأردن على مساعيها لإجبار العدو على التراجع عن قرار إغلاق المسجد.

لست ممن يؤمنون بالصدفة أو بعبثية الحوادث، كما أؤمن بأنّ الميل للخطأ فطرةٌ إنسانية، لذلك فالأحداث ليست صدفة ولكن تحليلها يخضع لمعادلة الخطأ والصواب، فشهداء عملية القدس الثلاثة يحملون نفس الإسم-محمد جبارين-، وهو اسمٌ يخلط الكفر بالإيمان ويعجن التاريخ بالمصير، وهنا لا أتحدث عن اسم العائلة كلقب فأنا لا أعرف أساس التسمية وبداية التكنّي ولكن كإسقاطٍ ومحاكاة، فقد وردت الآيات القرآنية مبيّنةً لأسباب عزوف بني إسرائيل وتخاذلهم عن دخول الأرض المقدسة، وكان أحدها "قالوا يا موسى إنّ فيها قومًا جبارين"، وقد ورد ذكر هؤلاء القوم في خانة الكفر، ثم يأتي الإسم الأول-محمد- اختزالًا للإيمان كله، فاجتماع هذين الإسمين يعطي دلالةً مبدئية، بأنّ هذه الأرض ستلفظ بني إسرائيل بغض النظر عن ساكنها، وأنّ حقهم الوحيد فيها هو تجنب دخولها والاستيطان بها، وأما حقهم عليها إن دخلوها فقتلهم أو تشريدهم، وأنّ هذه الأرض مهما تغيرت صفة قاطنيها حتى لو كانوا عُباد أوثان، وكان بنو إسرائيل أهل التوحيد في قاطبة الأرض فلا حقوق لهم تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا، قد تكون هذه قفزة تحليلية مبالغ فيها، لكنها على الأقل تلزمني على مستوى النتيجة.

لن تستمر "دولة" الاحتلال بإغلاق المسجد إلى مالا نهاية، وهذا لا علاقة له بالخشية من رد الفعل العربي أو الإسلامي، ولكن له علاقة بمحاولات التسلل إلى أدمغتنا دون إحداث شروخٍ مؤلمة، وذلك دون التعارض مع المخطط الصهيوني والحلم الكبير بهدم المسجد وبناء الهيكل، فنحن اليوم في حالة صراعٍ دموي يخدم "إسرائيل" بشكلٍ مجاني، فهي اليوم على أعتاب رئاسة جامعة شرق أوسطية لمحاربة التطرف وصناعة سلام اقتصادي، وتتسابق الأنظمة العربية على حيازة قصب السبق والظفر بعلاقاتٍ حميمية معها، والحرص على تقديم المبادرات وخلق الحلول التصفوية للقضية الفلسطينية، بطريقة لا تُسبب لها أيّ إزعاج حتى لو كان على مستوى الشعور، وقد أصبح العداء لإيران هو الطريق الأقصر للجنة، وتكاد تصبح "إسرائيل" الشقيقة العائدة بعد الفقد الطويل، فلماذا والحال هذا تقوم هذه "الشقيقة" بأعمالٍ نافرة تعيق اختراقها لعقولنا ووعينا وضمائرنا، ففي خضم الزبد الأردني مثلًا بضرورة التراجع "الإسرائيلي" عن إجراءات الإغلاق، تقوم الحكومة الأردنية بالتوقيع على مشروع "ناقل البحرين" حلم ثيودور هرتزل، عبر اتفاق ثلاثي فلسطيني أردني "إسرائيلي" برعاية أمريكية، ويعتبر هذا المشروع أحد أسس ما يسمى بالسلام الاقتصادي.

تحت طائلة القاعدة العربية الأثيرة منذ احتناك القرار الفلسطيني، "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون"، تقوم الأنظمة العربية بارتكاب كل الموبقات والتحلل من كل الالتزامات القومية والوطنية والأخلاقية، فهم يدركون أنّ الفلسطيني الذي يقصدونه هو الذي يرافقهم ذات النهج الاستسلامي، ولكن بما أنّ هناك أطرافًا فلسطينية ترفض هذا النهج الاستسلامي، فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، وعلى ذات القاعدة، لماذا تقبل حماس من قطر والسعودية بأقل من عاصفة حزم لاستعادة المقدسات ووقف التمدد التهويدي، ومدها بالسلاح للذود عن حياض الأمة، ولماذا تقبل من تركيا بأقل من قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني ودعم المقاومة بالسلاح، فكل هذه الأطراف تعتمد قاعدة القبول بما يقبله الفلسطيني، صه.. ما يدريك أنت بالسياسة، فنحن الآن نحاول مسايسة محمد دحلان لجلب الكهرباء إلى غزة، فمن المستحيل ممارسة المقاومة في الظلام، وعلى الطرف الآخر من التمثيل الفلسطيني، صه..ما يدريك أنت بالسياسة، فنحن نحاول تقليص الكهرباء عن غزة، حتى تعرف حماس أنّ الكهرباء والمقاومة ضدان لا يجتمعان، بعكس التفاوض الذي لا يتم إلا في النور، وأما القدس وفلسطين ستصبح تفصيلًا صغيرًا حين تنعم المنطقة بالسيادة "الإسرائيلية" و"السلام الاقتصادي" ولعنة الله والتاريخ والأجيال.
بيروت برس


التعليقات الواردة أدناه تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي وكالة أوقات الشام الإخبارية