الشيزوفرانيا الملكيّة

وكالة أوقات الشام الإخبارية

نبيه البرجي

أليست هذه هي الشيزوفرانيا في بلاد العرب : أن تعطى الراقصة كل الحرية لاظهار مفاتنها الاستراتيجية، بينما يوضع مفكر، او صحافي، او مثقف، أو رجل أعمال وراء القضبان لأنه أدلى برأيه، ولو بالكتابة على الحائط، في قضية يعتبرها أهل السلطة من  المقدسات؟
ما جاء في وسائل الاعلام السعودية حول اقامة منتجعات حديثة على شاطىء البحر الأحمر يشي بشيء من هذا. هنا على هذه الضفة النسخة العربية من لاس فيغاس، وهناك على تلك الضفة النسخة العربية من تورا بورا.
نعلم أي مشكلة فلسفية، وبنيوية، يواجهها الأمير محمد بن سلمان. يدرك أن الامور في المملكة، ثقافياً، واجتماعياً، واقتصادياً، ودينياً (سياسياً مسألة أشد هولاً)، لايمكن ان تمضي هكذا. جال بين المؤسسات الأميركية، والتقى صانعي السياسات الذين يعرفون تماماً ان الايديولوجيات المجنونة، والتي أطلقت اسامة بن لادن، انما مصدرها «الحالة السوسيو ـ دينية» في السعودية.
وحين كانت أرصفة روتردام تظهر الهبوط الدراماتيكي في أسعار النفط، استشعر الأمير الشاب ان الرهان على الاقتصاد ذي البعد الواحد هو رهان سيزيفي ان لم يكن رهاناً على الهاوية..
لفترة ما، كان بعض المنظّرين يحاولون تسويق النموذج الصيني في أرجاء البلاط. ليبرالية اقتصادية مشرّعة على سائر اسواق الدنيا، و«احتباس» سياسي يحصر السلطة ( السلطة المطلقة) في يد ثلة سياسية بأدمغة مكفهرة.
الاشكالية التي واجهها أصحاب تلك النظرية هي ان باستطاعة أي صيني، سواء كان اسكافياً أم أميرالاً، أن ينتمي الى الحزب توخياً للوصول أو لحماية الذات. في السعودية، لا مجال للسوبر وزراء أو للسوبر رجال أعمال أن يصبحوا جزءاً من الاسرة. ثمة خطوط حمراء (خطوط بيولوجية وتاريخية) يحظر الدنو منها ...
اثر وفاة الأمير سعود الفيصل، تردد ان الأمير محمد بن سلمان شدد، وتعبيراً عن الذهنية الجديدة، على أن يكون وزير الخارجية من خارج الاسرة، ليعيّن عادل الجبير الذي يقول صحافي سعودي «لقد كتب على هيكله العظمي أنه صنع في أميركا».
ثمة طبقة من رجال الدين أشبه ما تكون بمزرعة الديناصورات. مهمتها كانت تأمين «التغطية الالهية» للاسرة، وقد انغرزت عضوياً في البنية السوسيولوجية للمملكة. لا حدود لتأثيرها، ولفتاويها الأقرب الى الشعوذة الفقهية، دون المس بالعلاقات الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن، حتى وان كان امام الحرم المكي دأب على الدعوة الى الله، في خطبة الجمعة، أن يشتت اليهود والنصارى.
في الآونة الأخيرة، كان لافتاً مقال لجمال خاشقجي في «الواشنطن بوست»، وهذا اختراق لا يغتفر للتابو المقدس، قال فيه «هل تتفاجأون اذا تحدثت عن الخوف والترهيب والاعتقالات والتخويف العلني للمثقفين والزعماء الدينيين الذين يتجرأون على التعبير عن افكارهم، ثم أخبرتكم انني من المملكة العربية السعودية».
تحدث عن قيام «رجال أمن ملثمين باقتحام المنازل وتصوير كل شيء، ومصادرة كتب وأجهزة كمبيوتر». المنازل تعود لمفكرين ومرجعيات دينية. أما التهمة التي وجهت الى هؤلاء فهي أنهم تلقوا أموالاً من قطر و«أنهم جزء من مؤامرة كبرى مدعومة قطرياً».
المثير للذهول ان المملكة هي التي تقول هذا. الدولة التي لم تهزها كل الأعاصير، ولطالما كانت وراء الانقلابات، أو وراء الهزات السياسية والأمنية، في العديد من الدول العربية، تتحدث الآن عن «مؤامرة كبرى» تقوم بها دولة جارة هي أصغر بكثير من أن تضاهيها جغرافياً وديموغرافياً.
الذي أثار المسألة، وعبر صحيفة أميركية هي جزء من الاستبلشمانت، يدعى جمال خاشقجي الذي ترعرع في البلاط واعلن منذ نحو شهر ولاءه لـ«أولياء الأمر»، في حديث مع اذاعة مونتي كارلو.
في المقال «اريدكم أن تعلموا أن السعودية لم تكن كما هي اليوم». الكلام من واشنطن التي حط فيها كلام خطير، ويوحي بأن المملكة أمام مفترق كبير. أين هي أميركا في هذه الحال؟ هل حقاً ان لها تصورها الخاص لمستقبل السعودية، وهي التي فرضت المناهج الجديدة وآليات التحديث؟
هنا يمكنكم أن تستعملوا خيالكم دون أي خطوط حمراء !!
الدياار



التعليقات الواردة أدناه تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي وكالة أوقات الشام الإخبارية