نارام سرجون : هل الصواريخ السورية اشارة لاتفاق روسي أمريكي لانهاء الحرب على سورية؟

عدد المشاهدات : 10521 | تاريخ النشر : 2017-03-20 12:02:19

وكالة أوقات الشام الإخبارية

نارام سرجون


أشد مايزعجني في السياسة السورية هي أنها ذات قدرة على التحمل لاتتحملها نفسي .. وأن لها صبرا يفوق صبر البشر .. ولها قدرة على الغوص تحت الماء دون أوكسجين تجعل المراقب يعتقد أن من لازال تحت الماء قد اختنق ومات وانتهى أو على الأقل أغمي عليه .. ولكن السياسة السورية تثبت انها دقيقة في مواعيدها جدا وان أجراسها لاتدق الا في التوقيت المناسب جدا ..

كنا نستمع طوال هذه السنوات لمحاولات الاستفزاز والشماتة بنا من كل العرب واعلام العرب وهم يكبرون لنتنياهو ويدعون له بالنصر كلما مر قرب دمشق بشكل خاطف .. ولكن جميع هؤلاء كانوا على قدر من الغباء والسذاجة لايضاهيه الا قدر الخيانة والوضاعة الذي يملكونه .. وحده نتنياهو كان يدرك أن من تحت الماء هو أخطر من أن يطمئن الاسرائيلي الى سكونه .. ووحده من كان يستمع للتهليل والشكر العربي ولكنه كان يدرك أن مايفعله مجرد استعراض وأنه يلعب لعبة خطرة جدا مع هذا الخصم الهادئ الغامض الذي لايرد .. فـ"النظام" الذي تعرض لهزة عنيفة كانت كفيلة بتحطيم أكبر دولة في العالم ظل هادئا ومتماسكا وواثقا من نفسه .. ولم تغامر دولة واحدة ممن تتشدق بالتهديدات باعلان الحرب عليه بمن فيهم اسرائيل وتركيا .. حتى اميريكا جاءت بنفسها لاطلاق طلقة الرحمة على البلاد لكنها فجأة قررت أن تعود أدراجها وليس في يدها سوى براميل الكيماوي ..

قبل أن نلاحق الطائرات الاسرائيلية ومسارها لايجب التقليل من الامكانات العسكرية الاسرائيلية وعلينا أن نتوقع ان تحاول تكرار المناورة ولكن يجب اليوم أن نقول بأن نتنياهو ربما أدخلته الصواريخ السورية مرحلة البيات الشتوي الاسرائيلي قد يتجلى في تحييد اسرائيل في اول بوادر اتفاق روسي أميريكي في الحرب السورية .. مأساة نتياهو اليوم لاتكمن في أن طائراته ربما صارت في ورطة وهي تجري لقاء التعارف مع الصواريخ السورية فوق أجواء فلسطين المحتلة بعد ان كان اللقاء يتم خارج الأجواء الاسرائيلية منذ تأسيس الدولة العبرية .. الطائرات الاسرائيلية لأول مرة تجد نفسها في قفص ضيق وأنها قد لاتتمكن من الطيران أبعد من مدرجاتها كأنها طيور بلا أجنحة .. بعد أن تبين أن الصواريخ السورية قادرة على مطاردتها فوق أجواء فلسطين المحتلة .. بل ان ماساة نتنياهو هي أن الصواريخ السورية يعتقد انها حملت أول ملامح اتفاق روسي أميريكي ..

دعونا نتفق أن الحرب في سورية هي حرب القرن وأنها ليست حربا اقليمية وأن كل حركة عسكرية فيها تنظر اليها عيون السياسيين والعسكريين من بكين الى واشنطن ومابينهما من عواصم .. ولذلك فان نتنياهو هو مجرد لاعب صغير بين اللاعبين وهو لذلك يدرك أن مايستطيع فعله محكوم بمعادلات العالم .. واذا احترمنا هذه القاعدة يجب أن نعيد تشريح المشهد الغريب في انطلاق الصواريخ السورية لتعلن بداية الاتفاق الدولي لاخراج نهاية للحرب .. لأن اسرائيل قصفت دمشق عدة مرات ولم تنطلق الصواريخ التي كانت موجودة منذ سنوات ماقبل الحرب .. وفي احدى المرات أطلقت الطائرات الاسرائيلية نيرانها على بعد كيلومترات من القصر الرئاسي السوري ومع ذلك ظلت الصواريخ السورية نائمة ولم تستيقظ وكأن شيئا لم يكن وهذا ماجعل الاسلاميين يتسلون كثيرا بالشماتة والاستخفاف ويبتهجون بتحالفهم مع اسرائيل التي تذل عدوهم .. واعتقد البعض أن الصواريخ السورية صدئت في مخازنها وأن أي طيران قادر على أن يتجول في سماء سورية .. ولكن في هذه المرة قررت الصواريخ لسبب ما أن تلاحق الطائرات الاسرائيلية خارج الحدود وان تسقط طائرة في أحضان نتنياهو .. فلم حدث ذلك؟؟ وهل لهذا علاقة بمعركة قادمة؟؟

الملفت للنظر أن الطيران الاسرائيلي تدخل هذه المرة في معركة في البادية وليس في القلمون او حدود لبنان وتذرع انه ضرب شحنات اسلحة متجهة الى حزب الله كعادته .. ولكن لماذا تمر شحنات أسلحة حزب الله من البادية السورية حيث داعش ولماذا هذا الطريق الخطر؟؟ في هذا الطرح طرافة وظرفا وغباوة جغرافية ولاتشبه الا ان نقول ان الجسر الجوي الأميركي الى اسرائيل في حرب 73 كان يمر من حمص ؟؟ وهل يستورد حزب الله أسلحته من داعش أو ان ايران تمرر السلاح اليه عبر العراق وبموافقة البغدادي؟؟ هذا يدل على أن كل ماقيل ان اسرائيل تنجح في ضرب قوافل حزب الله هو وهم وأن حزب الله لم يتعرض مرة الى ضربة في سورية بل ان كل الضربات كانت للتدخل لصالح عمل عسكري للمعارضة وربما لاستطلاع القدرة الصاروخية السورية ان بقيت جاهزة وماهي ترددات الرادارات كي تستعد اسرائيل لعمل عسكري أكبر مع سورية وحزب الله لاتتفاجأ فيه اسرائيل بامكانيات المظلة الدفاعية الجوية ..

ومايلفت النظر أيضا هو صمت البيت الأبيض المطلق - حتى هذه اللحظة - عن الحادثة وهو أمر غير مفهوم .. فالبيت الأبيض كان دوما يعلق وينصح بضبط النفس أو يحذر أو يساند .. فلم سكت اليوم وكانه يقول سنرد في المكان الماسب في الزمان المناسب؟؟

أقرب التفسيرات التي اطلعت عليها والتي يتداولها البعض من النخب الغربية وفي تبادل آراء بينها هي أن ترامب لايزال محاصرا بالصقور الذين يريدون ارغامه على تبني سياسة مواجهة مع روسيا والخوض في مغامرات الشرق .. وهو بدأ يقدم على تراجعات وتقهقر في الحركة السياسية والوعود الانتخابية باستثناء عملية حلب البقرة السعودية التي أرسلت ضرعها محمد بن سلمان وحلب منه ترامب 200 مليار دولار في نصف ساعة .. ولكن ترامب يدرك انه كي يفك حصاره الداخلي ويتحرر قليلا فان عليه ان يقدم انجازا في السياسة الخارجية والعسكرية يحسب له .. واي رئيس عندما تواجهه مؤسسة الجنرالات والاستخبارات فانه لايستطيع تحديها الا عندما تلحق هزيمة عسكرية مهينة بالبلاد يلام فيها العسكر والمخابرات ويتهمون بالتقصير ويتمكن الرئيس من ازاحتهم كما فعل غورباتشوف بعد نزول طائرة شراعية في ساحة الكرملين في أكبر تحد واهانة للجنرالات الروس الشيوعيين الذين أطاح بهم غورباتشوف ولم يقدر واحد في روسيا كلها على الدفاع عنهم .. ولكن في غياب هزيمة عسكرية مهينة للبلاد فان الرئيس لايقدر على تحدي ارادة العسكر والاستخبارات مالم ينجز نصرا عسكريا خارجيا في عهده ينسب اليه ويجعله قويا بحيث أنه يقدر على مواجهة اسماك القرش والثيران التي تسكن المؤسسة العسكرية ليقيدها .. وترامب حتما لن يقدر على فعل شيء على المستوى العسكري لم يقدر عليه فريق اوباما وكلينتون مثل مغامرة الحرب على سورية وحلفائها .. ولذلك فانه يفاوض الروس والسوريين على انجاز معركة الرقة لتكون نصرا أميريكيا يحسب على عهد ترامب .. فهو يدرك ان النجاح في معركة الرقة بعد انهاء الموصل لايمكن ويستحيل دون تعاون قوات برية ضخمة تتمثل بالجيش السوري وحلفائه لان القوة الرئيسية على الارض ليست قسد ولا الأكراد .. ويريد ترامب أن يظهر أمام الراي العام الأميريكي أنه رجل قوي ويتفوق على سابقيه بأنه دمر خط داعش من الموصل الى الرقة .. ولاشيء في هذه الفترة سيقدم له هذه الوصفة السحرية سوى تحرير الرقة جوهرة التاج الداعشي وعاصمة داعش التي ارعبت العالم وهي تضرب في العواصم .. وهي التي سلّحتها هيلاري كلينتون وفريقها في الاستخبارات والبنتاغون طوال ست سنوات وصار من الصعب التغلب عليها بعد حقنها بالسلاح والمجاهدين والخبرات كل هذا الوقت .. وترامب لايمانع في أن يقوم بذلك بتنسيق مع سوريا وروسيا .. ويبدو أن التقليل من التورط العسكري الأميريكي حتى أنه يكاد يكون رمزيا (قرابة 1000 عسكري) يراد به عدم النية للبقاء طويلا في الرقة وأن تكون المشاركة الاميريكة محدودة على الارض لأن البقاء يعني التعرض لنيران حرب عصابات وتحرير على غرار المقاومة العراقية مع جيش بوش .. الا أن اعلان أن الرقة مع الموصل تحررت في عهد ترامب وبخطة ادارته التي سمحت للروس والسوريين بالعمل على الارض سيجعل منه صاحب انجاز عسكري رغم ان من سيقوم باقتحام الرقة هي قوات الجيش السوري .. وبعد ذلك يتم الدخول في المسار السياسي السوري والاتفاقات الكبرى بعد أن يقطف ترامب ثمار النصر في أميريكا حيث يكون لترامب اليد العليا بعد ذلك في تقييد حركة معسكر الخصوم في أميريكا .. ولكنه كي يصل الى ذلك فان مضطر للاستعانة بالاسد وحلفائه .. الذي ربما يكون الوحيد الذي يقدر على مساعدة ترامب .. فيما يكون محمد بن سلمان هو الدجاجة التي تبيض ذهبا والتي تمتد اصابع الاميريكيين الترامبيين الى مؤخرتها لاخراج آخر بيضة منها بالقوة .. فيما تعصر أصابع ترامب ضرع محمد بن سلمان بشدة حتى يجف غير عابئ بآلام البقرة الحلوب ..

ولكن الاسرائيليين بتأييد من قوى في البنتاغون والمخابرت المركزية يخشون من هذا النصر الذي قد يعلنه ترامب فدفعوا لمهاجمة ظهر الجيش السوري الذي يقترب من معركة الرقة .. ويريد هذا الفريق مع الاسرائيليين أن يقول بأن أي اتفاق دون اسرائيل والمخابرات الاميريكية لايمكن وأن اسرائيل منحت تفويضا لتضرب وتقوض الاتفاق وهاهو الطيران الاسرائيلي بدا برسم الخطوط الحمر .. وهذا التحدي سيفهم من فريق ترامب على أنه فيتو على مشروع تحرير الرقة وفق خطة ترامب التي تنسق مع الروس والسوريين .. وسيرى على أنه رسم خطوط حمر أمام تحرير الرقة أو دير الزور بمساعدة الجيش السوري ..

الروس والسوريون ربما بدؤوا يحسون بمعضلة ترامب الذي صار واضحا أنه يحتاج الى أن تتقوى وجهة نظره بأن المغامرة في منع تحرير الرقة والمنطقة الشرقية تتطلب التعامل مع ما قد يخرجه السوريون بموافقة روسية من مخازنهم من أسلحة استراتيجية وأول الغيث صواريخ س 200 .. وهي شيء اقل بكثير من اس 300 أو س 400 .. ناهيك عن الترسانة الصاروخية الهائلة التي لم تمسها الحرب بعد .. ولذلك كان لابد من اخراج السلاح في وجه صقور البنتاغون والسي آي ايه والتحذير من اللعب في معركة تحرير سورية الشرقية .. لأن اسرائيل قد تفكر أن تعيق هذين العملين نيابة عن أردوغان الذي لايقدر على المناورة اليوم وهو ملتزم ظاهريا بالاتفاقات مع الروس .. وهذه الرسالة الصاروخية السورية الروسية تحذير للبنتاغون قبل نتنياهو ولكنها عن غير قصد تقوية لموقف ترامب .. بل يبالغ البعض ويرى فيها دعما مقصودا لتيار ترامب الذي لايرغب في خوض مواجهة مع روسيا كما يريد خصومه وكانه يقول لهم ان الروس خاطبونا لأول مرة عبر الصواريخ السورية التي سمحوا باستخدامها لأول مرة .. وشوهدت لأول مرة تحلق في أجواء اسرائيل بسبب حماقة وجنون البعض في تل أبيب والبنتاغون ..

الأيام كفيلة بأن تؤيد هذا التحليل العميق أو تدحضه .. ولكن صمت البيت الأبيض الأميريكي ملفت للنظر وكأنه يعيش على كوكب آخر واستخدام صاروخ نوعي لأول مرة رغم غارات سابقة قد يمنح هذا التحليل الذي يتداوله الخبراء جذرا قويا للحقيقة وللصراع الذي يخوضه ترامب مع خصومه ..

اذا الصواريخ السورية التي سكنت ولزمت الصمت في أدق واحرج المراحل خرجت عن صمتها .. وحملت أولى بشائر انهاء الحرب .. وبدت أنها تحلق وتوقّع في السماء أول اتفاق أميريكي روسي للخروج من الحرب واخراج العنصر التركي والاسرائيلي والسعودي .. لأن الصوريخ التي حلقت فوق فلسطين لاشك شوهدت في استانبول ولاشك شاهد بريقها ملك الحزم سلمان ووزير خارجيته المغوار الذي هدد أن تغيير النظام السوري سيكون سلما أو حربا .. ووجد أن نتنياهو نفسه قد أحرق مؤخرته وهو يهرب بطائراته الى داخل أجواء فلسطين المحتلة .. وأن مؤخرة سلمان ومؤخرة أردوغان كانتا ستتعرضان لنفس المصير اذا فكر أحدهما باختبار صبرنا ..

وان كنت بدأت مقالتي بالقول بأن أشد مايزعجني في السياسة السورية هي أنها ذات قدرة على التحمل لاتتحملها نفسي .. وأن لها صبرا يفوق صبر البشر .. ولها قدرة على الغوص تحت الماء دون أوكسجين تجعل المراقب يعتقد أن من لازال تحت الماء قد اختنق ومات وانتهى أو على الأقل أغمي عليه .. الا أن علي أن أعترف أن السياسة السورية تثبت انها دقيقة في مواعيدها جدا وان أجراسها لاتدق الا في التوقيت المناسب جدا .. وأنها تجيد حفظ القرش الابيض لليوم الأسود .. أو وفق ثقافة هذه الايام .. احفظ صاروخك الأبيض لليوم الأسود .. وفي مخازن الجيش السوري الكثير مما خبأناه .. من الصواريخ البيضاء .. للطيور السوداء ..


 

التعليقات الواردة أدناه تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن رأي وكالة أوقات الشام الإخبارية