في حروب المستقبل, احتمالاتٌ تقشعر لها الأبدان!

في حروب المستقبل, احتمالاتٌ تقشعر لها الأبدان!

ليس سراً أن معظم الحكومات تتجسس على بعضها البعض، بل على شعوبها أيضا. فالحكومات تقوم بهذا الإجراء تحت دعاوى ومبررات متعددة ومتباينة. ولكن في عصر “الإرهاب الافتراضي”، يقفز التجسس إلى أبعاد جديدة تماما، حيث تتداخل إمكانية الوصول إلى أسرار الأمم الأخرى، وأعمالها، وشعوبها، مع تعزيز مصلحة الدولة، التي تمارس التجسس الإلكتروني في إطار شكل تقني فني جديد.

وأدت عمليات التسلل تلك والسرقة، إلى تزايد احتمالات نجاح عمليات الخداع بسبب عدم الكشف عن هوية الدولة أو الأطراف التي ترتكبه.

وغالباً ما تكون الدول التي تمتلك أكبر الموارد المالية والعسكرية والسيبرانية، بطبيعة الحال الأكثر غزارة في ارتكاب عمليات التجسس.

وتعد الصين وروسيا والولايات المتحدة من أبرز البلدان التي قطعت شوطا طويلا في هذا المجال، وفقاً لمقال نشره دانيال واغنر، مؤلف كتاب “Terror” والمتخصص في إدارة المخاطر، في صحيفة “Sunday Guardian Live”.

حروب الفضاء الخارجي والإلكتروني

ويشهد العالم بالفعل ظهور مجموعة من التقنيات التي انتقلت للواقع اليومي في الآونة الأخيرة بعدما كانت تقتصر على مجال الخيال العلمي فحسب. ومن المرجح أن تظهر أسلحة جديدة، ستستخدم في الحروب المستقبلية، تتراوح بين الحرب السيبرانية والطائرات بدون طيار، ومن الذكاء الصناعي إلى الواقع الافتراضي إلى الإرهاب الافتراضي.

وستشمل حروب المستقبل مجموعة عالمية من الشخصيات، التي تقاتل في البحر وعلى اليابسة وفي الهواء وفي موقعين جديدين للصراع هما: الفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي. وسيواجه قباطنة السفن الحربية معارك مستقبلية تشبه معركة بيرل هاربور، وسيتبارز طيارو المقاتلات مع الطائرات الشبح بدون طيار، وسيخوضون معارك ضد هاكرز، في سن المراهقة، في ملاعب رقمية، كما أن مليارديرات وادي السيليكون سوف يبدؤون التعبئة للحرب السيبرانية، كما أن القتلة، أصحاب الجرائم المتسلسلة، سوف ينفذون عملياتهم الانتقامية على الإنترنت. وفي النهاية، سيكون النصر حليف من يستطيع أن يجمع بين دروس الماضي وأسلحة المستقبل.

وبناء على مقاربة الصين للاستراتيجية السيبرانية والعسكرية، يبدو من غير المرجح أن تتجنب التجارة والدبلوماسية والمصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والصين بالضرورة اندلاع صراع حقيقي.

أما السبب أو جزء منه فهو البرنامج الصيني “سلاح القاتل” “Assassin’s Mace”، الذي يهدف إلى خوض قتال ضد خصم متفوق تكنولوجيا.

ويشمل البرنامج الحرب السيبرانية، والحرب الفضائية، وغيرها من النظم التي يمكن أن تعطل القدرة القتالية للجيش الأميركي. ويصف العديد من الخبراء الخرق الصيني لمكتب الولايات المتحدة لإدارة شؤون الموظفين بهزيمة “معركة بيرل هاربور الإلكترونية” للولايات المتحدة، ولكن لا يمكن مقارنة هذا الخرق، بأي حال، وما سيبدو عليه هجوم إلكتروني عسكري حقيقي.

فمن شأن مثل هذا الهجوم أن ينتقل بسرعة كبيرة إلى ما وراء الحدود وإلى داخل أوطان الدول المنافسة بطرق لم يسبق لها مثيل من قبل.

في عام 2015، نشرت الصين أول المبادئ التوجيهية العسكرية الرسمية في ظل نظام حكم شي جين بينغ، بما يعني التحول رسميا للتركيز على “الفوز الحروب المحلية المعلوماتية”.

وفي إطار الاستراتيجية الجديدة، يسود الاعتقاد أن الفضاء والمجال السيبراني هما القمم للمنافسة الاستراتيجية.

وستلعب تكنولوجيا المعلومات دورا أكبر في جميع جوانب العمليات العسكرية لجميع عناصر الأنشطة القتالية لجيش التحرير الشعبي الصيني. وتركز المبادئ التوجيهية الجديدة على الهدف الرئيسي المتمثل في “كسب” الحروب المعلوماتية المحلية، مما يشير إلى أن التكنولوجيا العالية سوف تصبح الشكل الأساسي للحرب في القرن الـ21. ويبدو أنه قد بدأت بالفعل بعض جوانب هذه الاستراتيجية الجديدة.

سنة 2017، اعترف الجيش الروسي لأول مرة بحجم جهوده في الحرب المعلوماتية، معلنا التوسع في تلك الجهود بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحرب الباردة الأصلية.

وتحتل “الحرب المعلوماتية” الروسية مجالا أوسع من التركيز الغربي الحالي على الهاكرز والمقاتلين الإلكترونيين. ويتركز هدفهم على السيطرة على المعلومات بأي شكل من الأشكال، لتحقيق غرض واحد هو تقويض فكرة الحقيقة الموضوعية وعمل التقارير.

في القرن الحادي والعشرين، يمكن للانتصار في حرب المعلومات أن يفوق في أهميته النصر في صراع عسكري كلاسيكي. وعلى الرغم من أنه لا يشتمل على سفك للدماء، فإن التأثير الناجم عنه يمكن أن يكون ساحقا، ويمكن أن يشل كل هياكل السلطة في دولة العدو.

احتمالات تقشعر لها الأبدان

وفي ساحة الحرب الإلكترونية (السيبرانية)، فإن جميع الدول الكبرى الـ3، أي الصين وروسيا والولايات المتحدة، لديها قدرات وأدوات هائلة تحت تصرفها.

وتمتلك كل دولة منصة فريدة يمكن من خلالها إطلاق الهجمات الإلكترونية، كنهج بديل لتحقيق أهدافها، ووسائل مختلفة لمجابهة أي تهديدات سيبرانية، مما قد لا ترغب في جعلها معروفة للعموم، من أجل الحفاظ على ميزة تفوقها على خصومها.

ومهما كان مستوى تطور كل دولة في مجال الاحترافية السيبراني الخاص بها، فمن المهم تَذكر أن الإرهاب الافتراضي الذي تمارسه بشكل جماعي مازال في حالة جنينية بعد.

إن عمر عصر الإنترنت لا يتعدى حتى الآن 3 عقود من الزمن. وبالنظر إلى مدى تقدم الحرب السيبرانية بالفعل – وخاصة في الـ10 سنوات الماضية – فمن الصعب تصور ما سيبدو عليه المشهد خلال 10 أو 20 عاما من الآن.

لا شك أن مثل هذا الاحتمال حقيقي، وتقشعر له الأبدان ويمكن للمخاطر أن تكون أعلى.

شهدت السياسة العالمية حالة تحول منذ بداية القرن الـ21، نتيجة صعود الأحزاب السياسية المتطرفة، والحرب على الإرهاب، وميلاد الاتصالات الفورية، والعولمة، والنزعة العامة لصالح النهوض بالوضع الراهن.

إن ولادة العصر السيبراني تتشابك بشكل جيد مع هذا العصر من الاضطراب السياسي والتحول، لأنه يدفع سرعة وعمق هذا التغيير، ويبدو أن ثمار العالم قد أينعت وجارٍ قطافها.

في حين أن الساحة السيبرانية والجيوسياسية لها العديد من الخصائص التي تفصل بينها، مثل الحدود، وعدم الكشف عن الهوية، وسيادة القانون، فإن هذه الأشياء في حد ذاتها هي التي تجعلها أيضا أكثر تشابها.

على سبيل المثال، إن للدول حدودها في العالم المادي، ولكن في العالم السيبراني، فالدول قادرة على توسيع قوتها من دون حدود.

كما أن نفس عدم الكشف عن الهوية المتاح للمتسللين في ظلام شبكة الإنترنت يجعل من المتعذر التفريق بين الإجراءات الحكومية وما يفعله الأفراد أو الجماعات غير الحكومية، لأن الإسناد ربما لا يكون معروفا على الإطلاق. ونظرا لعدم وجود سيادة القانون في الفضاء السيبراني، يمكن لأي طرف أن يستفيد من غيابه.

يضع العصر السيبراني جميع البلدان التي تعمل على الإنترنت على قدم المساواة. وبالتالي، فإن تلك البلدان التي تعد أكثر تقدما من الناحية التكنولوجية ولديها المزيد من الموارد المالية والاستخباراتية والعسكرية ستكون بطبيعة الحال أكثر مهارة في إبراز قوتها في الفضاء السيبراني.

الوزن الافتراضي لكوريا الشمالية وإيران

ومع ذلك، فإن البلدان الأصغر والأقل تطورا ذات الموارد الأقل، ستكون هي أيضا قادرة على الحصول على المزيد من التكافؤ في ميادين المعارك، ويمكن أن تستحوذ على ما يفوق وزنها في الساحة السيبرانية. وتعتبر إيران وكوريا الشمالية مثالين على هذا الوضع. وتعتبر هذه الفرضية ذات تأثير عميق على المشهد الجيوسياسي الظاهري، ومن المتوقع أن يستمر هذا التأثير، ما لم تطرأ مستجدات، على التوقيت والكيف وعندما تتصدى الأمم لبعضها البعض في الفضاء السيبراني، مع نتائج لا يمكن التنبؤ بها.

ولا يمكن للربط بين التغيير في المجالين السيبراني والسياسي أن يصبح أقوى إلا باستمرار تأثير كل منهما في الآخر، لأن عصر الإنترنت في مرحلة جنينية من التطور، وبما أنه أثر بشكل واضح بالفعل في السياسة العالمية، وتأثر بها، فإنه من الصعب تصور مستقبل لا تكون فيه حظوظهما متداخلة ولا تتصادم.

لا يمكن لأحد أن يتنبأ بكيفية تطور هذا الاقتران الجوهري، ولكن من باب الاستنتاج يمكن الافتراض أن السياسة والسيبرانية سوف يستمران في التأثير على تطور كليهما لفترة طويلة قادمة بالمستقبل.

(العربية)

Leave A Reply

Your email address will not be published.