موقع إخباري مستقل, للمصداقية عنوان

كيف خطط “ديمبسي” لخنق سورية والعراق بـ”ورد النيل”؟.

2٬647

سمير الفزاع

يعيش إقليم شمال العراق “كردستان العراق”، منذ وقت طويل حالة شاذة: إقليم يمارس فعليا ما يفوق الحكم ذاتي بأشواط واسعة، ولكنه دون الدولة لافتقاره بعض الرتوش والشكليات، فهو يشارك بكل مؤسسات الدولة العراقية التشريعية والتنفيذية والمالية والعسكرية والأمنية… إلا أنّه يمتلك مؤسسات عسكريّة وأمنيّة لا تتبع لبغداد، ويعقد الإتفاقيات السياسية والإقتصادية والتجارية والنفطية خارج الحكومة المركزية، ويشتري السلاح ويخزنه ويستخدمه دون الرجوع للجيش العراقي؛ بل وبات يمدّ نفوذه إلى مساحات شاسعة مستغلاً الإنهيارات التي أصابت المؤسستين الأمنية والعسكرية بعد الهجوم الداعشي على العراق. لذلك، يمكن القول بموضوعية، إن القيمة السياسية والإقتصادية والعسكرية والإستخبارية-الأمنية للبرزاني ومجموعته ضمن العراق أكبر بكثير من قيمته في دولة كرديّة مستقلّة عنه: فهو شريك – ومن يدعمه ويوجهه- في إدارة العراق ومؤسساته، ولا شريك فعلي معه في إدارة الإقليم، وإذا ما خرج بإقليمه خسر ومشغلوه بقيّة العراق… لذا، يمكن الجزم بأن “المغامرة” بخسارة كل هذه “المكتسبات” لا تُفهم إلا في سياق خدمة مشروع آخر أهم وأخطر وأكبر… ولا علاقة لها من قريب أو بعيد “بتطلعات” كردية لوطن قومي… إستفتاء برزاني على الانفصال، كيف يمكن قراءته، وما علاقة ذلك بالحرب على سوريّة؟ وما هي تجلياته في ما يجري في البوكمال وحضر ومملكة آل سعود… وغيرهم؟. هذا ما سأحاول الكشف عنه هنا.

* إستفتاء بحجم وعد بلفور:

في مئوية وعد بلفور، بدأت ماكينة برزاني ومن خلفه بالترويج لتنظيم إستفتاء إنفصال إقليم شمال العراق، وكانت واشنطن وتل أبيب أكثر “العواصم” ترحيباً بهذه المساعي. 28/7/2017، ينطلق في واشنطن، أول مؤتمر موسع في الكونغرس الأمريكي نظمته صحيفة “واشنطن تايمز” بتعاون مع “مؤسسة كوردستان24 للأبحاث والإعلام”، لبحث “ملف” إستفتاء استقلال إقليم “كوردستان” عن العراق، تحت شعار “إقليم كوردستان.. حليف استراتيجي لأمريكا في محيط ساخن”. بعيداً عن تفاصيل المؤتمر، سأكتفي بإقتباس بعض ما قاله أحد الحضور، الجنرال الأمريكي المتقاعد “جي غارنر”، أول حاكم عسكري أمريكي للعراق بعد إحتلاله عام 2003:”أدعو واشنطن إلى طيّ سياسة العراق الواحد، ودعم استفتاء إقليم كوردستان المزمع في 25/9… يجب أن ندعم قوات “البيشمركة”، ويجب أن ندعمها بالأسلحة والصواريخ لمنع الهجمات الإرهابية ليس عن أمريكا فقط –هل المقصود أمريكا أم نقاط الإنتشار الأمريكي في العراق سورية- بل عن أوروبا بشكل عام… ويجب أن نعزز التحالف مع “كوردستان” ليس بالمجال العسكري فقط؛ بل وفي الاقتصاد أيضا لكي نفيدهم ونستفيد منهم… “كوردستان” حليفنا الأول بمواجهة إيران، وهي أفضل مكان لنا في المواجهة، ونعتمد على الكورد بذلك… إن اتفاقية سايكس بيكو قد انتهت وعلينا الاعتراف بذلك، ولا نستطيع إيقاف التغيير القادم ويجب أن ندعم استقلال كوردستان”.

* لا بلفور بلا سايكس-بيكو:

ما كان لوعد بلفور المشؤم أن يعيش بلا إطار أوسع يرسم خريطة المنطقة على نحو يسمح لهذا “الوعد” وغيره بالحياة، عبر تفاهم دولي-إقليمي لتقاسم النفوذ وبناء المجالات الحيوية، أي سايكس-بيكو. وليكن معلوماً أن “وعد بلفور” بإنشاء “وطن قومي” يرسم توجهاته وحدوده مجموعة من الإنفصاليين الأكراد، المرتبطون تاريخياً بالدوائر الغربية والصهيونية، يتوقف على توفير أرضية دولية-إقليمية تمثل سايكس-بيكو الجديدة لتكون الوعاء الفعلي لإنفاذ هذا الوعد وغيره من الوعود الضرورية واللازمة لتحقيق هذا التقسيم.
كان الإستفتاء على إستقلال إقليم شمال العراق، والسيطرة على كركوك، وإعلانها “قدس كردستان”، أيّ تشبيه؟!… يقوم على فرضية حاكمة: ما دامت “كردستان” الدولة ضمن الدولة لن تذوب، ما الضير أن نقوم بعملية خلق وتجريب، تستطلع مشهداً سياسياً وأمنياً وميدانياً… بقيمة مخبريّة بالغة الأهميّة، تؤسس لتطبيق وعد بلفور، وتعطي إشارة الإنطلاق لسايكس-بيكو القرن الواحد والعشرين؛ أي أن من نفذّ ذلك المشهد في شمال العراق وكركوك أراد أن يكتشف ويراقب ويفهم حركة وتفاعل وردود أفعال الطرف الآخر، العراق وسورية وإيران وروسيا… وبالتالي تشكيل تصور واقعي وعملي عن الهدف الأولي والمفتاحي من التجربة؛ خلق كيان كردي في سورية مطابق لما هو الحال في العراق يعلن بدء تقسيم المنطقة. ولو نجح الأمر، لمشت تركيا في ركب المخطط مقابل بقائها في إدلب، وبالقرب من حلب التي لن تنجو طويلاً من أطماع أردوغان (وهو من أرسل جيشاً لإدلب بدل الشرطة، ومن تحالف مع النصرة بدل محاربتها فتكون جيشه لغزو حلب…) ومقايضة السعي الكردي للاستقلال عن تركيا بإنفصالهم في العراق وسورية، وتحويل أنقرة إلى بوابة للأكراد على العالم، ومنفذهم النفطي والغازي الوحيد… ببساطه، وصفة “طبيّة” صهيو-أمريكية، طبقت في شمال العراق للتخلص من أمراضهم المزمنة في المنطقة (إنتصارات محور المقاومة،تعثر المشاريع،تراجع النفوذ،تآكل عناصر القوة والردع…) فيتم تعميمها على بقية المنطقة والإقليم.

* تعثر التجربة، وترنح المشروع:

في 12/6/2015، قال الجنرال مارتن ديمبسي، قائد الأركان الأمريكية المشتركة:”إن الخطط العسكرية الأمريكية في العراق قد تتطلب افتتاح عدة معسكرات عراقية قرب الخطوط الأمامية للقتال مع تنظيم داعش، ما سيتطلب إرسال المئات من الجنود الأمريكيين لتنفيذ إستراتيجية “ورد النيل” القائمة على توسيع أماكن الانتشار والسيطرة”. بإختصار وحسب الزعم الأمريكي، تقوم هذه الإستراتيجية على تأسيس عدد من القواعد العسكرية في العراق، وتأمين المناطق المحيطة بها، وتوفير الظروف المناسبة لتوجيه ضربات جوية دقيقة وسريعة لأهداف تابعة لداعش ما يعزز تقدم القوات العراقية على خطوط القتال.
لكن ما لم يقله “ديمبسي” عن “ورد النيل” والمشاكل التي يخلقها هذا النوع تحديداً من الأزهار فيه الكثير من الدلالات والمعاني… فهي نوع “جذاب” من الزهور، إلا أنها تعد مشكلة كبيرة لدول حوض النيل، وذلك لاستهلاكها كميات هائلة من الماء العذب، ونموها السريع فتتضاعف مرة كل 11 يوماً، ما يعوق حركة الملاحة والصيد والري، وتسد المجاري المائية كالترع والمصارف… وهي تستهلك الأكسجين الذائب في المياه مما يهدد حياة الأسماك والكائنات المائية، كما تأوي الزواحف والثعابين والعديد من القواقع مثل قواقع البلهارسيا… وهو ما يرمز تماماً للوجود الأمريكي في العراق: فأصبح مشكلة كبرى في حوض الفرات، وتمدد من العراق إلى سورية، وبات يستهلك البلدين ويستنزفهما عبر أدواته القاتلة من قواقع داعش، وثعابين النصرة والحر والمليشيات الإنفصالية الكردية، ويعمل على إعاقة الحركة بين البلدين، وسدّ المنافذ والمعابر بينهما… تلك هي نبتة ديمبسي القاتلة التي زرعها على حوض الفرات.
تعرض المخطط لمجموعة من النكسات والمفاجآت الغير سارة، يقف على رأسها المواقف الوطنية التاريخية والمدركة لطبيعة المخطط لدى شريحة واسعة من الأكراد وقياداتهم… والتحرك السريع والمضبوط والراقي للحشد الشعبي والجيش العراقي… والفشل في خلق فتنة سنية-شيعية وأخرى عربية-كردية… والعجز الأمريكي والصهيوني الكامل ساعة إنهيار المشروع… لتعود من جديد سلسلة المشكلات التي تشكل المأزق التاريخي لواشنطن وحلفائها أكثر وقعاً وسطوعا،: مقاومة منتصرة،تعثر المشاريع،تراجع النفوذ،تآكل عناصر القوة والقدرة على الردع… .

* خلاصة:

سقطت الوصفة الصهيو-أمريكية في “المختبر”، فكيف سيتم تعميمها على سوريّة والمنطقة؟!. صار المأزق مركباً، وبدأ السؤال المركزي يطرق في عقول حلف العدوان كالناقوس: ماذا بعد فشلنا في كردستان، وكيف سيتم تبرير الإحتلال الأمريكي بعد التخلص من داعش؟… الحل، خلط الأوراق مجدداً لترتيب المشهد الإقليمي، كسباً للوقت، ولتأخير لحظة إنتصار العراق وسورية وحلفائهما والتهرب من تبعات هذا الإنتصار، وإشعال نقاط صراع جديدة لإدامة الإستنزاف والمشاغلة… أملاً بخلق ظروف مواتية تُحسن شروط التفاوض-إن وقع. دُفعت المليشيات الكردية لإحتلال شمال-شرق دير الزور وما يحويه من نفط وغاز، ولمنع الجيش العربي السوري وحلفائه من العبور نحو ضفة الفرات الشرقية، وقطع الطريق عليه بالسيطرة على عقدة القائم-البوكمال… وصولاً لإحياء الجدار الطيب على مشارف الجولان المحتل، وفتح طريق أمام الإرهابيين للوصول إلى جنوب لبنان، فيتم فتح باب مواجهة جديد بين حزب الله والإرهابيين برعاية صهيونية لصيقة ومباشرة، وبدعم غير محدود من أمريكا ومحميات الخليجية… تمهيداً لعقد كامب ديفيد جديدة تستبق إنتصار سورية وحلفائها، فتخلق وقائع سياسية واقتصادية وعسكرية… يستحيل تغييرها.
جاءت ردود أفعال سورية وحلفائها قوية وصادمة على هذا المخطط الخبيث: ميدانياَ، شكلت القاذفات الإستراتيجية الروسية قوس نار حول البوكمال، وتقدم الجيش العربي السوري وحلفائه على طول الحدود العراقية-السورية حتى البوكمال-القائم، تشارك الجيشان وحلفائهما بتحرير القائم، وتقدما منها نحو البوكمال، فقطعا الطريق على واشنطن وأدواتها… وكسر مخطط السيطرة على بلدة حضر لإتمام الجدار الطيب والنفاذ إلى بلدات جنوب لبنان، فأجهضت سيناريوهات الفتنة التي خُطط لإشعالها في لبنان بالتزامن مع خطف “الحريري” وتعويم ريفي وجعجع… هذه الفتنة وغيرها كانت ستخدم هدفاً آخر: التعمية على مشروع “نيوم”، النسخة الإقتصادية لكامب ديفيد محمد بن سلمان. فهذا المشروع يحتاج إلى رزمة من الإجراءات ليتم تمريره: قنابل دخان تموه وتخفي الخطوات التنفيذية لكامب ديفيد، ونقاط اشتباك فرعية تصرف النظر وتحول الانتباه عنه، بالتزامن مع تجريف مراكز القوى والشخصيات المنافسة في الداخل السعودي… ليجد ولد سلمان ومشغلوه أنفسهم تحت الضوء، عُراة من أي ورقة تستر مخططاتهم. الخائن السادات، أبعد كل منافسيه في مصر، وتعهد ومشغلوه بإشعال النار في سورية، فكان الإخوان المسلمين، واندلعت “الحرب الأهلية” اللبنانية، والحرب العراقية-الإيرانية… لتمر كامب ديفيد وتعمّم. ولد سلمان، حاول تكرار التجربة، زار “زعطوطه” الرقة لإشعال معركة “كردية-سورية”، وعمل جهده لإحراق لبنان بالفتنة، وفي الأثناء أُطلق نيوم… ليرسم ملامح كامب ديفيد التي ستصفي القضية الفلسطينية، وتنشئ تحالف النفط والعقل الصهيوني –حسب أدبيات شيمون بيريز- وترسي قواعد الحلف العسكري-الأمني الذي سيحاصر نتائج فشل حربهم على سورية والعراق، ويؤسس لشطر المنطقة إلى معسكرين: صهيو-أمريكي وآخر مقاوم له.
الصراع مستمر، ختمنا فصول منه بالإنتصارات… ولكن وللأسف، يبدوا بأن هذا النوع من الصراعات لن ينتهي بتسوية ما؛ بل بمعادلة منتصر ومهزوم… هذا ما أعددنا له، فانتظروا المزيد من المعارك والإنتصارات.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...