موقع إخباري مستقل, للمصداقية عنوان

هل أدوية الأعصاب مخدرات؟

244

في ظل الجهل والإلتباس اللذين يحيطان بموضوع الإضطرابات الذهنية والنفسية، تنال أدوية هذه الأمراض نصيبها من الإلتباس. فغالباً ما يتم ربطها بالمخدرات، وإستخدامها في غير مكانها، ليضحي الدواء داءاً.

أدوية الأمراض النفسية

شُخصت حالة جنان بالكآبة منذ سنة ونصف. خضعت للعلاج النفسي لبضعة أشهر، لكن حين باتت تنتابها ميول إنتحارية، لم يعد هناك غنى عن الدواء. “أعاني ممّا يسمى بالكآبة السريرية، أي أن العلاج يكون من خلال استعمال الدواء”. تأخذ جنان ما يتراوح بين أربع وست حبوب دواء يومياً. لم ترفض يوماً تناول الأدوية، فهذا العلاج رديف لبقائها على قيد الحياة، فقد قالت لها طبيبتها “لنبقيك حية، عليكِ أخذ الأدوية”. إلا أنها لمست إهمالاً عند طبيبتها الأولى “فكنت كلما شكيت لها من أمر ما، تصف لي حبتي Xanax”.

مرض الكآبة يترافق عادة مع إضطراب القلق، وعلاجه يتطلب وصف أدوية ضد الإكتئاب ومهدئات (أو ما يعرف بأدوية الأعصاب). شراء المهدئات هو ما يتطلب وصفة طبية “فهي التي تسبب الإدمان”، وفق جنان. إلا أنها لا تخشى من أن يصيبها إدمان “فقد وصلت إلى مرحلة كان ممكن معها أن أبدأ بتعاطي المخدرات كي أشعر بالرضا، فالأدوية هي أقل شرا من المخدرات”. صعوبة الحصول على المهدئات لاحتوائها نوعاً من المخدر تجعل من جنان، في عيون أصدقائها، كمن تجلس على بيضة من ذهب. “بدأت أمرر لأصدقائي عدداً من الحبوب، كانت تهدئهم وتشعرهم بالسرور أحياناً، وذلك لأن بعضهم لديه تاريخ مع هذه الأدوية، وبعضهم الآخر لديه أمراض نفسية لا يعلم بها”. غير أنّ العلاج النفسي يرافق العلاج الطبي، لكن الفرق بينهما، وفق جنان، ان “العلاج النفسي يوجع، في حين أن الدواء يخدر الوجع”.

يعود تاريخ سارة مع الكآبة إلى عمر الرابعة عشرة. وفي العشرين، شخصت حالتها بالإضطراب ثنائي القطب Bipolar Disorder. لم تبدأ بتناول الأدوية إلا حين أصبحت في عمر التاسعة عشرة وذلك لأن “الطبيبة لم تنصحني بذلك حينها، كذلك أمي والمجتمع بشكل عام”. تشير سارة إلى سوء فهم المجتمع اللبناني للأدوية “فهم لا يعرفون شيئاً عن الإضطرابات النفسية وعن كونها تحتاج إلى علاج فعال، ولديهم إرتياب من الأدوية على أساس أنها تسبب الإدمان”.

يميز المعالج النفسي جورج كرم بين نوعين من الأمراض النفسية، أولهما يعتمد بشكل أساسي على الدواء، في حين يعتمد الآخر على العلاج النفسي. وأمراض، كالفصام في الشخصية، لا يمكن علاجها إلا باللجوء إلى الأدوية. ويوضح كرم أن هذا النوع من الأدوية وخصوصاً الذي يوصف للكآبة “يعمل على رفع مستوى السيروتونين، أي الهرمون الذي يسبب السعادة، لكن ذلك لا يعني أنه يسبب السعادة لكل من يتناوله، فهو لا يعمل بهذه الطريقة”.

تنزعج سارة من ميل كل من حولها إلى “التنظير” ونصحها بالإقلاع عن الأدوية، وتحسم بأن “الأطباء ليسوا أغبياء، والناس لا يعرفون شيئاً، كما أن الذين يحبون تعاطي هذه الأدوية للشعور بالسرور أغبياء، فهذه الأدوية لا تعطي هذا المفعول”. تؤكد تجربة جنان هذا القول. فالدواء، على خلاف ما يعتقد الكثيرون، لا يثير مشاعر ممتعة “فأنا آخذها اليوم ولا أحس بشيء، لكنني إذا أوقفتها سأشعر بالفرق، ذلك لأن هدفها المعالجة لا إشعارنا بالكيف”.

أوقفت سارة الدواء لفترة أربعة أشهر، اذ “حين سافرتُ إلى فرنسا لبضعة أشهر كنت سعيدة جداً، فلم أكن بحاجة إليه”. تؤكد تجربة سارة أن الدواء لا يسبب الإدمان، إذ يمكن الإستغناء عنه، إلا أن الإنتكاسات يمكن أن تحصل دائماً مما يعيد المريض إلى الأدوية.

حين لا تجدي الأدوية نفعاً

جرب وائل، وهو المصاب بالكآبة، سبعة أدوية حتى الآن، لم يشعره أي منها بالتحسن. يبدأ الدواء بإعطاء مفعوله بعد ثلاثة أشهر، مما ينفي إمكانية ظهور مفعوله مباشرة. ويشرح وائل: “تأثير كل دواء على المرضى يختلف بين مريض وآخر، لذلك علينا أن نجرب العديد من الأدوية لنصل إلى الدواء المناسب الذي يجدي نفعاً، بينما لم أجده أنا بعد”. يئس وائل من الدواء دفعه إلى البحث عن أساليب علاج بديلة “أفكر بتجربة العلاج بالصدمات الكهربائية، أو العمليات الجراحية، إلا أن أهلي يعارضون هذا الخيار إذ يخشون منه”. غير أن الدكتور كرم يفيد بأن “العلاج بالصدمات الكهربائية على قدر ما يبدو إسمه مخيفاً، هو من أفضل أنواع العلاج، إلا أن الناس يهابونه كما يهابون الأدوية”.

الأدوية لغير المرضى

رغم وجود العديد من الدلائل على أن الأدوية المعالجة للإضطرابات الذهنية لا تسبب المتعة، الا أنها لا تزال عاملاً جاذباً للشباب الباحثين عن اللذة في المخدرات. فبالنسبة لفادي، وهو شاب لا يعاني من أي إضطرابات نفسية، الأدوية هي حقل تجارب. “جربت مع أصدقائي الكثير من الأدوية، معظمها من المهدئات، وهي تشبه في تأثيرها أحياناً بعض المخدرات كالحشيش، لكن الإختلاف في كونها أخف من مفعول الحشيش، فعلى الشخص أن يأخذ حبوب عدّة ليشعر بما يشعر به حين يأخذ مخدراً”.

واذا كان الحصول على هذه المواد غير متاح من دون وصفة طبيب، فإن فادي يبحث عن مصادر أخرى لها. اذ “يأتي بها أصدقائي الذين يتناول أحد والديهم هذه الأدوية، أو نشتريها من تاجر بشكل غير شرعي”. وأسعار هذه الأدوية رخيصة نسبياً إلا أنها حين تؤمن بشكل غير شرعي ترتفع أسعارها، وفقه. فـ”السيمو”، على سبيل المثال، وهو دواء لمعالجة السعال كان متاحاً في الصيدليات قبل منعه، صار سعر القنينة الواحدة منه مئة وستين ألف ليرة لبنانية. والبحث عن المتعة يستدعي تناول القنينة كاملةً. وقد وصل “التجريب” بفادي وأصدقائه إلى محاولة صنع “السيمو” بأنفسهم. أما عن جودة المشروب، فيقول فادي “كان سيئاً جداً، تسبب لنا بعوارض جسدية كالإعياء وألم الرأس، إلا أننا أحسسنا ببعض الخدر كأننا نتعاطى المخدرات”.

وعمّا إذا كان يخشى من أن يصبح مدمناً على هذه الأدوية؟ يجيب فادي: “لم يدمن أي من أصدقائي عليها من قبل، كما أن جرعاتها تكون خفيفة جداً بالنسبة للمخدرات التقليدية، لذلك فمن الصعب أن تؤدي إلى الإدمان”. أما الدكتور كرم فيفيد بأن العديد من المفاهيم الخاطئة تحيط بموضوع الإدمان إذ “ليس صحيحاً أن الشعب اللبناني بمعظمه مدمن على المهدئات كما يشاع، فالدراسات التي أجرتها جمعية إدراك للصحة الذهنية في لبنان والعالم العربي تبين أن تسعين في المئة من المرضى لا يتعالجون، كما أن واحداً في المئة فقط ممن يتناولون هذه الأدوية هم ليسوا بمرضى”.

المصدر: موقع المدن

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...